نتنياهو: سأطلع الرئيس الأمريكي ترامب على ما نعتزم فعله تجاه إيران ولن أطلب الضوء الأخضر

أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنه سيطلع الرئيس الأمريكي ترامب على ما تعتزم إسرائيل القيام به تجاه إيران، مؤكدًا أنه لن يطلب منه الضوء الأخضر لتنفيذ ضربة عسكرية. وقال نتنياهو إنه أصدر توجيهًا يعدّ إسقاط النظام في إيران الحل الوحيد المقبول لإنهاء ما يصفه بالتهديد الناتج عن البرنامج النووي والصاروخي الإيراني. وجاءت هذه التصريحات في وقت تتضارب فيه الروايات بين تل أبيب وواشنطن حول توقيت أي عمل عسكري محتمل وحدود التنسيق الأمريكي الإسرائيلي.
تصريح يرسم خطًا فاصلًا في الموقف الإسرائيلي
يحمل كلام نتنياهو دلالتين مترابطتين. الأولى أن تل أبيب تريد الإبقاء على قناة تواصل مفتوحة مع الرئيس الأمريكي ترامب، عبر إطلاعه على ما تعتزم القيام به. والثانية أنها ترفض، وفق صياغة رئيس الحكومة، أن يكون هذا الإطلاع شرطًا مسبقًا للحصول على موافقة أمريكية قبل أي عمل عسكري. وهكذا يحاول نتنياهو الجمع بين صورة الشريك الذي يبقي حليفه الأبرز على علم بالتقديرات، وصورة الدولة التي تحتفظ بحرية القرار في ملف تعدّه وجوديًا.
ولم يكتفِ نتنياهو برسم هذا الفاصل السياسي، بل ربطه بتوجيه وضعه أمام أجهزة الأمن والجيش. ووفق ما نقلته وكالات أنباء عالمية وصحف إسرائيلية ودولية، قال إن الحل الوحيد المقبول هو إسقاط النظام الإيراني، وإنه وجّه الجيش والموساد بالعمل وفق هذا الهدف. وتعني هذه الصياغة، إن صحّت في سياقها الرسمي، أن الهدف لم يعد مقتصرًا على تعطيل منشآت أو فرض قيود على برنامج، بل امتد إلى تغيير طبيعة السلطة في طهران.
خلفية علاقة متوترة بين التنسيق والاختلاف
لا يمكن فهم التصريح الجديد بمعزل عن الشهور الماضية. فمنذ مطلع عام 2026 تبادلت واشنطن وتل أبيب رسائل متضاربة حول إيران. ففي بعض المحطات بدا الرئيس الأمريكي ترامب منفتحًا على دعم عمل عسكري إسرائيلي إذا واصلت طهران تطوير برنامجها النووي والصاروخي. وفي محطات أخرى، وفق تقارير نشرتها صحف إسرائيلية وأمريكية في أكتوبر، عارض الرئيس الأمريكي ترامب خطة إسرائيلية لشن ضربات في وقت مبكر من الشهر، معتبرًا أن توقيتها لا يناسب الحسابات الأمريكية.
ونقلت صحيفة تايمز أوف إسرائيل عن مصادر لم تُسمّ أن نتنياهو كان يخطط لضربات ضد إيران في وقت سابق من هذا الشهر، وأن الرئيس الأمريكي ترامب عارض إعادة إشعال المواجهة. كما نشرت صحف أخرى، منها نيودلهي تي في والجيروزالم بوست، روايات مماثلة عن خطة لم تُنفّذ بسبب تحفظات أمريكية. وفي المقابل، نقلت وكالة رويترز في الرابع عشر من أكتوبر عن نتنياهو قوله إنه لا يسعى إلى مهاجمة إيران مجددًا قبل الانتخابات الإسرائيلية. وهذا التباين بين التقارير والتصريحات الرسمية هو ما يفسّر اهتمام المتابعين بالتمييز بين ما يُقال علنًا وما يُنسب إلى مصادر مغفلة.
لماذا يرفض نتنياهو صيغة الضوء الأخضر؟
ليست عبارة الضوء الأخضر مجرد صياغة إعلامية. فهي تعني، في علاقة واشنطن بتل أبيب، أن العمل العسكري الإسرائيلي يحتاج إلى تغطية سياسية وعسكرية أمريكية، سواء في الذخائر أو التنسيق أو الحماية من رد إيراني واسع. ورفض نتنياهو هذه الصيغة علنًا يهدف إلى جمهور داخلي يرى في الاعتماد على موافقة واشنطن قيدًا على حرية العمل، وإلى جمهور أمريكي لا يريد أن يبدو منجرًا إلى حرب لا يختار توقيتها.
وفي الوقت نفسه، لا تملك إسرائيل في الواقع العملي قدرة كاملة على فصل مصير مواجهة مع إيران عن الموقف الأمريكي. فأي ضربة واسعة قد تستدعي ردًا إيرانيًا يطال قواعد أمريكية في المنطقة، ويهدد ممرات الملاحة والطاقة، ويضع الإدارة الأمريكية أمام خيار التدخل المباشر. لذلك يقرأ كثير من المتابعين عبارة نتنياهو بوصفها رسالة سياسية أكثر منها خطة عملياتية مكتملة المعالم.
إسقاط النظام هدف معلن لا خارطة معلنة
تتكرر فكرة إسقاط النظام في تصريحات نتنياهو منذ أشهر. وفي الرابع من سبتمبر قال إن إسقاط النظام الإيراني هو المهمة المركزية لإسرائيل، وإن الهدف في متناول اليد. وفي الثامن عشر من أكتوبر، وفق ما نقلته وكالة يونيت وصحيفة ذا ستريتس تايمز، أعاد التأكيد أن السبيل الوحيد لإنهاء التهديد هو إسقاط الحكومة الإيرانية، وأنه وجّه الأجهزة الأمنية بالعمل وفق هذا الهدف. كما نقلت منصة إيران إنترناشنال عنه قوله إن إسقاط النظام هو الهدف الرئيسي بعد محادثات مع الجانب الأمريكي.
غير أن الفارق واسع بين إعلان الهدف وامتلاك الوسيلة. فإسقاط نظام ليس عملية عسكرية واحدة، ولا يتحقق بضربة جوية محدودة، ولا توجد خريطة معلنة توضح كيف يمكن للضغط الخارجي أن ينتج تغييرًا سياسيًا داخل إيران. وقد أظهرت تجارب سابقة في المنطقة أن الضغط العسكري قد يضعف قدرات الخصم من دون أن ينتج بديلًا سياسيًا مستقرًا. ولم تقدم التصريحات الإسرائيلية العلنية أي جدول زمني أو قائمة أهداف معلنة تحوّل هذا الهدف إلى خطة قابلة للقياس.
الحسابات الأمريكية: انتخابات وتفاوض وردع
تختلف أولويات واشنطن عن أولويات تل أبيب في هذا الملف. فالإدارة الأمريكية تواجه انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في الثالث من نوفمبر، وهي استحقاق يجعل أي تصعيد عسكري واسع في الشرق الأوسط محمولًا بتكلفة سياسية داخلية. ونقلت صحيفة ذا أتلانتيك عن مسؤولين أمريكيين أن الإدارة تبحث إمكانية توجيه ضربات لإيران قبل هذا الاستحقاق، من دون أن يترجم ذلك إلى قرار معلن. وفي المقابل، حذّر الرئيس الأمريكي ترامب طهران في الثامن عشر من أكتوبر من أنها إن لم تغيّر نهجها فستُكمل المهمة قريبًا، وفق ما نقلته قناة الحدث.
وهنا يظهر الفارق بين الطرفين. فنتنياهو يطرح إسقاط النظام بوصفه النتيجة الوحيدة المقبولة، بينما تبقي واشنطن، وفق التصريحات المعلنة، منفتحة على مزيج من الضغط والتفاوض. ونقلت إيران إنترناشنال عن متابعين أن نتنياهو يسعى إلى إسقاط النظام، فيما يسعى الرئيس الأمريكي ترامب إلى التوصل إلى اتفاق مع النظام نفسه. وهذا التوصيف، وإن كان صادرًا عن منصة معارضة، يلخص الخلاف الذي تُظهره التقارير الأمريكية والإسرائيلية من دون أن تؤكده التصريحات الرسمية في واشنطن.
الانتخابات الإسرائيلية جزء من المعادلة
لا ينفصل الملف الإيراني عن التقويم السياسي الداخلي في إسرائيل. فنتنياهو يواجه استحقاقًا انتخابيًا، وحصل على دعم علني من الرئيس الأمريكي ترامب، وفق ما نقلته شبكة سي بي إن. وفي الوقت نفسه نقلت تقارير إعلامية أن مسؤولين عسكريين إسرائيليين حذروا من أن هجومًا واسعًا على إيران قد يدفع إلى تأجيل الانتخابات. وهذه الرواية لم تُؤكد رسميًا بشكل كامل، لكنها توضح لماذا يربط خصوم نتنياهو وحلفاؤه الملف الإيراني بالحسابات الانتخابية، ولماذا تحرص واشنطن على ألا يتحول التصعيد إلى عامل يغيّر موعد الاقتراع.
ماذا يعني الإطلاع من دون طلب الموافقة؟
في الممارسة الدبلوماسية، الإطلاع ليس مرادفًا للتنسيق، والتنسيق ليس مرادفًا للموافقة. ويمكن لنتنياهو أن يبلغ الرئيس الأمريكي ترامب بتقدير استخباراتي أو بنية عملياتية، من دون أن يطلب تفويضًا علنيًا. ويمكن لواشنطن أن تعارض التوقيت أو النطاق من دون أن ترفض الهدف المعلن. وهذا النمط هو ما ظهر في تقارير أكتوبر: خطة إسرائيلية، وتحفظ أمريكي، ثم إعادة صياغة للموقف بما يحفظ لتل أبيب هامش المناورة.
ويظل السؤال العملي مفتوحًا: هل سيكتفي نتنياهو بالإطلاع إذا قرر التحرك، أم سينتظر إشارة أمريكية غير علنية؟ التصريح العلني يقول الأول. والتجربة الموثقة خلال الأشهر الماضية ترجح الثاني، من دون أن تحسم المسألة. فالقرار النهائي، إن اتُخذ، سيظهر في توقيت العمل لا في نص الخطاب.
المخاطر الإقليمية التي لا تظهرها الخطابات
أي تصعيد بين إسرائيل وإيران لا يبقى ثنائيًا. فالمنطقة تضم قواعد وأصولًا طاقية وممرات ملاحة وحلفاء محليين للطرفين. وضربة تستهدف منشآت نووية أو عسكرية إيرانية قد تُقابل بهجوم على أهداف إسرائيلية، وربما على مصالح أمريكية، وقد تمتد إلى مسارح أخرى عبر حلفاء إقليميين. وهذا ما يجعل الدول العربية، ومنها دول الخليج، معنية بأي تغير في قواعد الاشتباك، حتى وإن لم تكن طرفًا مباشرًا فيه.
كما أن رفع سقف الهدف إلى إسقاط النظام يغيّر حسابات الردع. فالضربة المحدودة قد تُقرأ بوصفها رسالة ردع، أما الهدف المعلن بإسقاط السلطة فيدفع الطرف المقابل إلى التعامل مع المواجهة بوصفها معركة وجود. وهذا الفارق هو ما يجعل اللغة التي يستخدمها نتنياهو ذات أثر عملي، حتى قبل أن يترجم التوجيه إلى عملية.
ما الذي يمكن ترجيحه وما لا يمكن الجزم به
المؤكد حتى الآن هو أن نتنياهو وضع إسقاط النظام الإيراني في صدر خطابه العلني، وأنه قال إنه سيطلع الرئيس الأمريكي ترامب من دون أن يطلب منه الضوء الأخضر. والمؤكد أيضًا أن تقارير متعددة في أكتوبر أشارت إلى خلاف في التوقيت بين تل أبيب وواشنطن، وأن نتنياهو نفى في وقت سابق أنه يسعى إلى هجوم قبل الانتخابات. أما ما لا يمكن الجزم به فهو وجود قرار نهائي بالضرب، أو موعد له، أو موافقة أمريكية سرية، أو قدرة إسرائيلية فعلية على إسقاط النظام في طهران.
وستظل الأيام المقبلة محكومة بثلاثة معايير: هل يتحول التوجيه الذي تحدث عنه نتنياهو إلى تحرك عسكري ملموس، وهل تصدر واشنطن موقفًا علنيًا يؤيد أو يقيد هذا التحرك، وهل تقدم طهران تنازلًا يغير حسابات الطرفين. وحتى يحدث ذلك، يبقى التصريح الإسرائيلي رسالة سياسية مزدوجة: شراكة معلنة مع واشنطن، ورفض علني لأن تكون هذه الشراكة قيدًا على قرار تل أبيب.