نواف سلام: تخزين السلاح ونقله خارج الشرعية يقتضي الملاحقة وأشد العقاب

أكد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام أن تخزين السلاح ونقله من خارج الجهات الشرعية يقتضي الملاحقة القضائية، ودعا إلى إنزال أشد العقاب بمن ينقل السلاح أو يخزّنه على نحو يهدد سلامة المواطنين. ويأتي هذا الموقف في سياق تصريحات علنية متكررة لسلام خلال أيام أكتوبر 2026، ربط فيها حصر السلاح بيد الدولة بإجراءات أمنية وقضائية ملموسة، وليس بتصريحات سياسية منفصلة عن المحاسبة.
تصريح يربط الحيازة والنقل بالمسؤولية الجزائية
ينقل موقف رئيس الحكومة ملف السلاح خارج إطار الدولة من دائرة الجدل السياسي إلى دائرة الملاحقة القضائية. والعبارة التي نشرتها مصادر إعلامية عن موقف سلام واضحة في تحديد السلوك المجرّم: التخزين والنقل من خارج الجهات الشرعية، وفي تحديد الأثر: تهديد سلامة المواطنين. وبهذا المعنى، لا يكتفي الموقف الحكومي بإعلان مبدئي، بل يرسم مساراً إجرائياً يفترض أن تتولاه النيابة العامة والقضاء المختص.
وقد توافقت هذه الصياغة مع تصريحات نشرتها وسائل إعلامية عدة يوم 12 أكتوبر 2026، أكد فيها سلام أن السلطات ستتعامل بالحزم المطلوب مع أي سلاح خارج إطار الشرعية، حيازةً ونقلاً واستخداماً. والفارق بين الصيغتين ليس لغوياً فقط؛ فالحيازة والنقل والاستخدام تشكل سلسلة واحدة، وإضافة التخزين إليها تغلق الثغرة التي قد يُفهم منها أن المنع يقتصر على لحظة الاستخدام أو على عملية النقل العلنية.
ووفق ما نقلته يورونيوز العربية وقناة القاهرة الإخبارية والعربية واليوم السابع، جاءت تصريحات سلام تحت عنوان «لا تساهل ولا تغاضِ»، مع تعهد بكشف ملابسات الوقائع ومحاسبة المتورطين وإحالتهم إلى القضاء. وهذا الترابط بين الحقيقة والمحاسبة يعني أن الحكومة لا تقدم الموقف بوصفه مسألة تقديرية، بل بوصفه التزاماً يُقاس لاحقاً بنتائج التحقيق.
شاحنة ضهر البيدر وما كشفته من خطر عملي
الخلفية المباشرة لهذه التصريحات هي توقيف القوات الأمنية شاحنة محمّلة بمواد متفجرة في منطقة ضهر البيدر، وكانت متجهة من البقاع نحو محيط بيروت. ونقلت قناة الجزيرة عن سلام أن السلطات أوقفت قبل أيام شاحنة تحمل مئات الكيلوغرامات من المواد المتفجرة. ووردت أوزان متفاوتة في التغطية الإعلامية؛ فقناة الخبر أشارت إلى نحو 500 كيلوغرام، فيما تحدث محللون عن شحنة تزن 780 كيلوغراماً. والثابت هنا هو أن الشحنة كانت كبيرة بما يكفي لإحداث أضرار جسيمة لو وصلت إلى منطقة مأهولة، وأن توقيفها تم خارج إشراف الجهات الشرعية المخولة بحيازة هذا النوع من المواد.
ونقلت صحيفة النهار عن سلام أن الشحنة التي أُوقفت قبل أيام في ضهر البيدر كانت تحمل مادة «C-4» شديدة الانفجار. ووفق ما نشرته صحيفة ألتون تليغراف الأميركية، أشار سلام إلى أن مادة «C-4» استُخدمت في اغتيالات سياسية شهيرة في تاريخ لبنان الحديث. وهذه الإشارة لا تعني بالضرورة أن الشحنة المضبوطة كانت معدة لجريمة محددة، لكنها تضع الواقعة في سياق تجربة لبنانية معروفة: انتقال مواد شديدة الانفجار بعيداً عن رقابة الدولة يُعاد فتح باب الاغتيال والتفجير في مناطق مأهولة.
وقد نقلت صحيفة جيروزالم بوست أن حزب الله بدا كأنه يُقر بأنه صاحب أكثر من 500 كيلوغرام من المتفجرات التي ضبطتها السلطات اللبنانية. وفي المقابل، نشرت صحيفة ألتون تليغراف تقريراً بعنوان يشير إلى أن الحزب يدّعي ملكية المتفجرات المصادرة وينفي في الوقت نفسه بعض الروايات المرتبطة بها. وهذا التباين في الصياغة يفرض الحذر؛ فالثابت من المصادر الموثوقة هو أن الحزب دخل علنياً على خط الملكية أو الصلة بالشحنة، فيما يبقى تحديد المسؤولية الجزائية للأفراد والجهات من اختصاص التحقيق القضائي لا التصريحات العلنية.
لماذا يهم مسار الشاحنة؟
يكتسب مسار الشاحنة أهمية خاصة. فالبقاع ليس مجرد منطقة انطلاق، وضهر البيدر ليس مجرد نقطة تفتيش على طريق الجبل، وبيروت ليست مجرد وجهة. انتقال شحنة من هذا النوع من الداخل نحو العاصمة يعني أن الخطر لم يعد محصوراً في مناطق طرفية أو في مخازن بعيدة عن الكثافة السكانية، بل انتقل إلى محور يمر عبر مناطق مختلطة سكانياً ويرتبط بين الداخل والعاصمة. وهذا ما يفسر إصرار سلام على أن المسألة لا تتعلق بالسلاح بوصفه شعاراً سياسياً، بل بسلامة الناس على الطرق وفي الأحياء.
وقال المحلل السياسي داوود رمال، في تعليق نقلته وسائل إعلامية، إن نقل شحنة متفجرات بهذا الحجم إلى بيروت خارج إشراف الدولة يحمل رسائل سياسية تتصل بقرارات الحكومة. وسواء اتُفق مع هذا التقدير أم لا، فإن الواقعة وضعت الحكومة أمام اختبار ملموس: هل تكتفي بالإعلان عن الضبط، أم تحوّل الضبط إلى ملف قضائي يسمّي المتورطين ويحدد سلسلة النقل والتخزين والجهة المقصودة؟
من قرار آذار 2026 إلى اختبار أكتوبر
لا يمكن فهم تصريح سلام بمعزل عن مسار حكومي بدأ قبل أشهر. في 2 آذار/مارس 2026، نقلت الجزيرة نت إعلان سلام حظر الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله باعتبارها خارجة عن القانون، مع حصر مجال عمله في الشق السياسي. وفي اليوم نفسه، نشرت رئاسة مجلس الوزراء اللبنانية قراراً صدر عن اجتماع في قصر بعبدا، أعلن فيه مجلس الوزراء الرفض المطلق لأي أعمال عسكرية أو أمنية تنطلق من الأراضي اللبنانية خارج المؤسسات الشرعية، وأكد حصر السلاح بيد الدولة.
وهذا القرار هو الإطار الذي تُقرأ في ضوئه واقعة أكتوبر. فالحظر الذي أُعلن في آذار كان قراراً سياسياً وقانونياً، أما توقيف الشاحنة فهو اختبار لقدرة الأجهزة على تنفيذه. وإذا بقي الملف عند حدود البيانات، فإن قرار آذار يتحول إلى نص لا أثر تنفيذياً له. أما إذا انتقل إلى النيابة والقضاء، فإنه يكتسب معنى عملياً، لأن المحاسبة لا تتوقف عند هوية الجهة السياسية، بل تصل إلى من نقل ومن خزّن ومن أمر ومن سهّل.
وفي 30 أيلول/سبتمبر 2026، نقلت صحيفة الشرق الأوسط أن لبنان نقل مطلبه بحصرية السلاح وإنهاء الاحتلال إلى واشنطن. ومن داخل الحكومة، رفع وزير العدل عادل نصار سقف التحذير من استمرار السلاح خارج الشرعية، معرباً عن اقتناعه بإمكان تسليمه إلى الدولة بالمنطق لا بالقوة فقط. وهذا التمييز مهم: الحكومة تعرض مساراً سياسياً لتسليم السلاح، لكنها في الوقت نفسه تغلق باب التسامح مع من يواصل النقل والتخزين خارج القانون.
حصرية السلاح ليست شعاراً منفصلاً عن الجنوب
تربط الحكومة اللبنانية مطلب حصرية السلاح بمطلب إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لمواقع في الجنوب. وقد نقلت قناة الجزيرة عن وزير الخارجية اللبناني أن استقرار لبنان يتطلب إنهاء الاحتلال وتسليم سلاح حزب الله، وأنه لا استقرار مع سلاح موازٍ للشرعية. وهذا الربط يمنع اختزال الملف إلى مسألة داخلية محضة؛ فالدولة تقول إن السيادة لا تتجزأ بين الحدود والداخل، وإن وجود سلاح خارج المؤسسات يُضعف قدرتها على حماية الأراضي وعلى إدارة التفاوض.
وفي الوقت نفسه، لا تُقدم الحكومة حصرية السلاح بوصفها بديلاً عن مطلب الانسحاب الإسرائيلي. فالرسالة التي نقلتها الشرق الأوسط إلى واشنطن جمعت المطلبين معاً: حصرية السلاح في الداخل، وإنهاء الاحتلال على الحدود. وهذا الترابط يهدف إلى منع استخدام أي من الملفين ذريعة لتعطيل الآخر، ويضع المسؤولية على الدولة اللبنانية وعلى الأطراف الإقليمية والدولية المعنية في آن واحد.
ووفق تقرير لمركز مئير أميت للمعلومات حول الإرهاب نُشر في 6 أكتوبر 2026، قالت الحكومة اللبنانية إن قراراتها بشأن احتكار الدولة للسلاح غير قابلة للرجوع، وإنها ستُنفذ بأقل ضرر ممكن. وعبارة «أقل ضرر» لا تلغي الملاحقة، بل تشير إلى أن الحكومة تريد تجنب الانفجار الأمني الواسع، من دون أن تجعل هذا الحذر ذريعة لترك شحنات المتفجرات تتحرك بلا عقاب.
ماذا يعني المطلب القضائي عملياً؟
الملاحقة القضائية التي دعا إليها سلام ليست إجراءً رمزياً. في ملف كشحنة المتفجرات، تشمل الملاحقة تحديد مالك المركبة والسائق والمرافقين، ومصدر الشحنة، والمخزن الذي خرجت منه، والجهة النهائية، وهوية من أصدر الأمر ومن موّل العملية ومن سهّل مرورها. كما تشمل فحص المواد وتحديد نوعها ووزنها، لأن الفارق بين مادة متفجرة صناعية مرخصة ومادة «C-4» غير مرخصة هو فارق قانوني وأمني في آن واحد.
والعقاب الذي دعا سلام إلى أن يكون أشد ما يتيحه القانون لا يعني الخروج على ضمانات المحاكمة. فالقضاء هو من يقرر الوصف الجرمي والعقوبة، بينما يقتصر دور الحكومة على توفير الإحالة وحماية التحقيق من الضغوط. وهذا الفصل ضروري حتى لا يتحول الملف إلى مواجهة سياسية مفتوحة تُستخدم فيها القضاء أداة، أو تُعطّل فيها المحاسبة بحجة التوازنات الداخلية.
كما أن الملاحقة لا تقتصر على من ضُبط متلبساً. فالشاحنة التي تُوقف هي حلقة واحدة في سلسلة، والحلقات الأخرى قد تكون في المخازن أو في شبكات النقل أو في جهات تُصدر الأوامر. ولهذا كان تشديد سلام على التخزين مهماً بقدر تشديده على النقل. فالمخزن غير الشرعي هو الذي يجعل الشحنة ممكنة، وإغلاق ملف واحد من دون الوصول إلى مصدر التخزين يترك البنية قائمة.
الجيش والأجهزة الأمنية أمام معيار التنفيذ
نقلت صحيفة الشرق الأوسط بالإنكليزية أن الجيش اللبناني أعلن ضبط مزيد من المتفجرات، في السياق نفسه الذي تعهد فيه سلام بالتعامل بحزم مع السلاح غير القانوني. وهذا التطور، إن تأكد، يعني أن واقعة ضهر البيدر ليست حادثة معزولة، بل جزءاً من نمط أوسع. والنمط هو ما يهم المواطن: هل تصبح عمليات الضبط منتظمة ومعلنة ومتبوعة بتحقيق، أم تبقى حالات منفردة لا تغير قواعد النقل والتخزين؟
ويضع هذا النمط الجيش والأجهزة الأمنية أمام مهمة مزدوجة. المهمة الأولى هي منع وصول الشحنة إلى وجهتها، وهي مهمة تمت في ضهر البيدر. أما المهمة الثانية فهي بناء ملف يُمكن أن يصمد أمام قاضٍ، وهي أصعب، لأنها تتطلب حفظ الأدلة وحماية الشهود ومنع تسرب المعلومات التي قد تسمح بإخفاء المخزون المتبقية. ومن دون هذه الحلقة الثانية، يبقى الضبط إنجازاً أمنياً مؤقتاً لا ردعاً مستداماً.
وتزداد حساسية الملف لأن لبنان ما زال يتعامل مع آثار حرب 2026 ومع استمرار التوتر على الحدود الجنوبية. وفي مثل هذا المناخ، يمكن لأي حادثة نقل غير شرعي أن تُقرأ بوصفها رسالة سياسية أو استعداداً عسكرياً، حتى إذا كانت التفاصيل العملية ما زالت قيد التحقيق. ولهذا كان الإسراع في كشف الحقائق جزءاً من إدارة المخاطر، لا مجرد مطلب إعلامي.
الأثر على المواطن والاقتصاد والثقة بالدولة
يتجاوز أثر الواقعة الدائرة الأمنية الضيقة. فالمواطن الذي يسمع أن شاحنة محملة بمئات الكيلوغرامات من المتفجرات كانت في طريقها إلى بيروت لا يقيس الخطر بوزن الشحنة فقط، بل بقدرة الدولة على منع تكراره. والثقة العامة تتأكل إذا شعر الناس أن الطرق الرئيسة قد تُستخدم لنقل مواد قادرة على تدمير أحياء بأكملها، من دون أن يعرفوا من يقف وراء العملية ومن يحاسب.
وللملف أيضاً بُعد اقتصادي. فلبنان يحاول استعادة جزء من الثقة الدولية والاستثمارية بعد سنوات من الأزمة المالية والحرب. والمستثمر والمؤسسة المانحة لا ينظران إلى البيانات فقط، بل إلى ما إذا كانت الدولة قادرة على ضبط حركة المواد الخطرة ومحاسبة من يخرق القانون. وكل تأخير في الملاحقة يرسل رسالة عكسية: أن القرار السياسي موجود، لكن التنفيذ قابل للتأجيل.
وفي المقابل، فإن إحالة ملف شاحنة ضهر البيدر إلى القضاء، مع نشر ما يمكن نشره من دون المساس بسير التحقيق، قد تكون اختباراً مبكراً لمدى جدية المسار. فالمواطن لا يحتاج إلى شعار جديد عن حصرية السلاح، بل إلى دليل على أن الدولة تطبق القانون على من ينقل السلاح ويخزنه خارج إطارها، أياً كانت انتماؤه السياسي.
ما الذي يُراقب في الأيام المقبلة؟
المؤشر الأول هو مسار التحقيق في قضية شاحنة ضهر البيدر. فإذا اكتفت السلطات بالإعلان عن الضبط من دون إحالة واضحة، فإن تصريح سلام عن الملاحقة والعقاب يبقى في خانة المواقف. أما إذا ظهرت أسماء وتبينت سلسلة الأمر والتمويل والتخزين، فإن الملف ينتقل من الإعلان إلى الاختبار.
والمؤشر الثاني هو مدى قدرة الأجهزة على منع تكرار النموذج. فضبط شاحنة واحدة لا يغلق ملف المخازن، ولا يمنع استخدام مسارات أخرى، ولا يعالج شبكات التمويل والنقل. والمؤشر الثالث هو موقف حزب الله من قرارات الحكومة؛ فالحزب يرفض تسليم سلاحه بوصفه جزءاً من سردية المواجهة مع إسرائيل، فيما ترى الحكومة أن استمرار هذا السلاح خارج الدولة يُعرّض لبنان للحرب ويُفقد المؤسسات سيادتها.
والمؤشر الرابع هو الانسجام بين المسار الداخلي والمسار الحدودي. فالحكومة تقول إن الاستقرار يتطلب الأمرين معاً: إنهاء الاحتلال وتسليم السلاح. وأي تقدم في ملف من دون الآخر سيبقي ناقصاً، لأن الجمهور اللبناني يرى الاحتلال والسلاح خارج الدولة مصدرين مترابطين للخوف، لا ملفين يمكن فصلهما ببيان سياسي.
وفي المحصلة، يضع تصريح نواف سلام الحكومة أمام معيار واضح. فهي لم تكتفِ بإدانة القلق من وجود سلاح خارج الشرعية، بل حددت السلوك المطلوب: ملاحقة قضائية، وعقاب يصل إلى أشد ما يتيحه القانون، لمن ينقل السلاح أو يخزنه ويهدد سلامة المواطنين. وشاحنة ضهر البيدر، بما حملته من مواد متفجرة وبما كشفته من مسار يربط البقاع ببيروت، هي أول اختبار عملي لهذا الموقف. والأسابيع المقبلة ستبين ما إذا كان الكلام عن الحصرية والمحاسبة سيتحول إلى إجراءات يراها الناس، أم سيبقى وعداً يُضاف إلى سجل طويل من التعهدات التي لم تُغير واقع السلاح خارج الدولة.