قاليباف يبحث مع مجتبى خامنئي تطورات الحرب والأضرار المعيشية في إيران

قال رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف إنه بحث مع مجتبى خامنئي التطورات المتعلقة بالحرب على الصعيدين العسكري والاقتصادي، فضلاً عن المشكلات الاقتصادية والمعيشية في إيران. وجاء هذا الإعلان في وقت ما زالت فيه الحرب المستمرة منذ شهور تفرض ضغوطًا متزايدة على المؤسسات الإيرانية، وعلى قدرة الدولة على إدارة الجبهة العسكرية والجبهة المعيشية في آن واحد.
ولم تُنشر تفاصيل علنية عن مداولات اللقاء أو عن أي قرارات خرجت منه. ويُعد الإعلان بحد ذاته مؤشرًا على أن الجانب العسكري لا يُعالج منفصلًا عن الأضرار الاقتصادية التي تلامسها الأسر الإيرانية يوميًا. وفي السياق نفسه، أفادت وكالة الأنباء الفيديوية العراقية بأن المرشد بحث مع قاليباف تطورات الحرب والأوضاع المعيشية.
لقاء يجمع المسار العسكري بالمعيشي
يأتي اللقاء بين قاليباف ومجتبى خامنئي في لحظة تتقاطع فيها الحسابات العسكرية مع حسابات الاستقرار الداخلي. فالحرب المستمرة منذ شهور لم تعد مواجهة تُدار من غرف العمليات فحسب، بل تحولت إلى ملف يمس الأسعار والعملة والتموين وقدرة الأسر على تأمين احتياجاتها الأساسية. ومن هنا يكتسب جمع المسارين في لقاء واحد دلالة سياسية واضحة: القيادة الإيرانية تعامل مع الحرب بوصفها معضلة عسكرية واقتصادية معًا.
ويحتل قاليباف موقعًا مركزيًا في هذه المعادلة. فهو رئيس مجلس الشورى، وهو في الوقت نفسه المفاوض الرئيس عن إيران في مسار الحديث مع واشنطن. وهذا الجمع بين الموقعين يجعله قناة الرسائل العلنية والخاصة معًا، ويضع أي لقاء يعقده مع مجتبى خامنئي في خانة التوجيهات العليا للملفين العسكري والتفاوضي.
وقد أظهر قاليباف، في تصريحات سابقة خلال هذا العام، أن إيران تُدير المواجهة وقناة التفاوض في وقت واحد. وفي خطاب متلفز قبل نحو أسبوع، قال إن طهران تنوي التفاوض مع واشنطن لإرساء ما وصفه بـ«الردع المستدام». وهذه الصياغة لا تعني التخلي عن أدوات الضغط، بل الاحتفاظ بها بوصفها ورقة تفاوض يمكن استخدامها لاحقًا.
موقع مجتبى خامنئي في إدارة الأزمة
اختير مجتبى خامنئي مرشدًا للثورة خلفًا لوالده علي خامنئي، في قرار وصفه قاليباف في آذار/مارس بأنه متقن ودقيق. ومنذ توليه المنصب، أصبح المرجع الأعلى للقرارات المرتبطة بالحرب وبالملف النووي وبحدود التفاوض. وفي أيار/مايو، نقل عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان مجتبى زارعي عن قاليباف أن المرشد طلب عدم بحث الملف النووي خلال المفاوضات.
وهذا السقف يفسر طبيعة اللقاء الأخير. فالمرشد يحتفظ بالكلمة الفاصلة في الملفات الحساسة، فيما يتولى قاليباف إدارة التفاوض والرسائل العلنية. وفي نيسان/أبريل، قال عضو اللجنة نفسها محمود نبويان إن المفاوضات تجري بأمر المرشد وبإدارة قاليباف. واللقاء الجديد ينسجم مع هذا التوزيع: المرشد يرسم السقف، ورئيس البرلمان يدير التفاصيل وينقل الرسالة.
كما أعاد قاليباف، في نيسان/أبريل أيضًا، نشر منشور سابق لمجتبى خامنئي وجهه إلى المقاتلين. وإعادة النشر لم تكن تفصيلاً عابرًا، بل رسالة مفادها أن رئيس البرلمان يتبنى توجيهات المرشد ويعيد تداولها في وسط الحرب. وفي آب/أغسطس، حذر قاليباف من أن الخصم يلجأ إلى الذكاء الاصطناعي لإنتاج صور ومقاطع، في إشارة إلى أن المواجهة لم تعد عسكرية فحسب، بل امتدت إلى ساحة المعلومات.
الجبهة الاقتصادية تضغط على القرار
لا يمكن فهم اللقاء من دون الوقوف عند حالة الاقتصاد الإيراني. فقد حذر قاليباف في آب/أغسطس من أن الانهيار الاقتصادي يهدد بقاء الجمهورية الإسلامية. وفي الشهر نفسه، تحدث الرئيس مسعود بزشكيان عن واقع الضغوط المعيشية، مشيرًا إلى أن التفاوض طريق لمعالجة هذه المشكلات. وفي أيلول/سبتمبر، رصد مركز صوفان أن العملة الإيرانية انهارت، وأن الوقود والكهرباء يعانيان من شح في الإمدادات.
وفي السياق نفسه، دعا قاليباف في تشرين الأول/أكتوبر الحكومة والبرلمان إلى بناء فهم مشترك للاقتصاد الإيراني وللضغوط التي تواجه المواطنين. والدعوة إلى جبهة اقتصادية موحدة تعني أن الخلاف داخل المؤسسات لم يعد تفصيلًا يمكن تأجيله، بل أصبح جزءًا من إدارة الأزمة. وقبل أيام، وصف قاليباف التهديدات الاقتصادية الأميركية الأخيرة بأنها «ضجيج»، في محاولة لخفض أثرها السياسي داخل إيران.
وقبل نحو أسبوع، سخر قاليباف من توقعات أميركية سابقة بشأن اقتصاد إيران، قائلًا إن المهل الزمنية التي وُضعت لها انقضت من دون أن تتحقق. والرسالة هنا موجهة إلى الداخل بقدر ما هي موجهة إلى الخارج: الضغط موجود، لكن الدولة لا تريد أن يُقرأ كعلامة نهائية للمعركة.
بين الضغط والتفاوض
تبدو المقاربة الإيرانية منقسمة بين من يرى في الضغط العسكري ورقة يمكن تحويلها إلى تفاهم، ومن يرى أن المواجهة لا تُحسم بالتفاوض. ووفق تقرير لـ«إيران إنترناشونال» نشر قبل ساعات، يميل مقربون من قاليباف إلى إنهاء الحرب من دون التخلي عن أوراق الضغط في مواجهة الولايات المتحدة. والتقرير وصف هذا الموقف بأنه أكثر ميلًا إلى المعاملة، يعامل الضغط العسكري بوصفه ورقة محتملة لاتفاق، ويبقي باب الدبلوماسية مفتوحًا.
وهذا الوصف لا يعني أن القرار بالتسوية قد اتُخذ. فالحرب ما زالت قائمة، والملف النووي ما زال خارج طاولة التفاوض وفق ما نُقل عن قاليباف، والشروط المرتبطة بمضيق هرمز ما زالت قيد النقاش. وقبل ساعات، التقى قاليباف قائد الجيش الباكستاني عاصم منير، وقال إن واشنطن لن تستعيد ثقة طهران إلا إذا نفذت سبعة شروط وضعتها إيران لإعادة فتح المضيق. وهذا الموقف يظهر أن باب التفاوض ليس مغلقًا، لكن عتبته مرتفعة.
هرمز والوساطة الإقليمية
يبقى مضيق هرمز العنوان الأكثر حساسية في الملف الاقتصادي المرتبط بالحرب. فالمضيق ليس ممرًا مائيًا فحسب، بل هو قناة رئيسية لتجارة النفط والسلع، وأي قيد على الملاحة فيه ينتقل فورًا إلى أسعار الطاقة وإلى حسابات الأمن البحري في الخليج. وربط إعادة فتحه بشروط إيرانية يعني أن طهران تريد تحويل الضغط الميداني إلى مكسب تفاوضي، لا إلى تنازل مجاني.
وفي هذا الإطار، تحركت وساطات إقليمية من دون أن تُنتج تفاهمًا علنيًا. فقبل ساعات، أفادت تقارير بأن منير بحث في طهران ملف الحوثيين وخيارات خفض التصعيد. كما تحدثت تقارير أخرى عن محاولة روسية للوقوف بين إيران والولايات المتحدة، من دون أن تتضح حدود ما يمكن لموسكو أن تقدمه. وهذه الحركة تؤكد أن الملف لم يعد ثنائيًا، بل أصبح محل تنافس بين وسطاء يبحثون عن دور من دون أن يملكوا مفاتيح الحل.
وفي آب/أغسطس، رأى مركز صوفان أن العقبة الرئيسة أمام إنهاء الحرب لا تأتي من شريك إقليمي، بل من الخصم المباشر نفسه. وهذا التقدير يتقاطع مع موقف قاليباف: الوساطة ممكنة، لكن القرار النهائي يبقى في طهران وواشنطن، لا في العواصم الإقليمية.
ماذا يعني اللقاء للمرحلة المقبلة؟
لا يقدم الإعلان عن اللقاء خريطة طريق لإنهاء الحرب، ولا يكشف عن تغيير في شروط إيران. لكنه يؤكد ثلاث حقائق مترابطة. أولها أن القرار العسكري والقرار الاقتصادي يُداران من المرجعية نفسها، وهي مكتب المرشد. وثانيها أن قاليباف ما زال الوجه العلني لهذه الإدارة، سواء في البرلمان أو في طاولة التفاوض. وثالثها أن المعيشة لم تعد ملفًا ثانويًا يُرجأ إلى ما بعد الحرب، بل أصبحت جزءًا من حسابات الحرب نفسها.
والمسار المقبل مرتبط بثلاثة ملفات لا يمكن فصلها. الأول هو مدى قدرة إيران على تحمل استمرار الحرب من دون أن يتحول التذمر المعيشي إلى أزمة سياسية. والثاني هو ما إذا كانت واشنطن مستعدة للتعامل مع شروط طهران المعلنة، وفي مقدمتها ملف هرمز والضمانات المطلوبة. والثالث هو ما إذا كانت الوساطات الإقليمية ستنتج قناة عملية، أم ستبقى في إطار الرسائل والزيارات.
وحتى تصدر إجابات عن هذه الأسئلة، سيبقى لقاء قاليباف ومجتبى خامنئي مؤشرًا على طبيعة المرحلة لا على نهايتها. فالحرب لم تنته، والاقتصاد لم يتعاف، والتفاوض لم يُغلق. وما تفعله طهران الآن هو إدارة هذه المعادلة من داخل مرجعية واحدة، بحيث لا يتقدم المسار العسكري على المسار المعيشي، ولا يتقدم المسار التفاوضي على سقف يرسمه المرشد.
وبالنسبة إلى المنطقة، فإن استمرار هذا النمط يعني أن الخليج ومضيق هرمز وأسواق الطاقة ستبقى رهينة لقرار لم يُحسم بعد. فكلما طال أمد الحرب من دون تفاهم، ارتفعت كلفة التأمين والنقل والتجارة، واتسع نطاق المخاطر التي تتجاوز الحدود الإيرانية. وفي المقابل، فإن أي تفاهم لا يعالج هذه المخاطر إلا إذا تضمن ترتيبًا واضحًا للمضيق وللضمانات التي تطلبها طهران، وهو ما لم يتحقق حتى الآن.
ولذلك، فإن الأيام المقبلة ستُقاس بما إذا كان هذا التنسيق الداخلي سيُترجم إلى موقف تفاوضي أوضح، أم سيبقى إطارًا لإدارة حرب مفتوحة لا تبدو نهايتها قريبة. وفي الحالتين، سيظل الملف المعيشي هو الاختبار الأصعب أمام القيادة الإيرانية، لأن أثره لا يُقاس في غرف العمليات فحسب، بل في أسواق المدن وفي قدرة الأسر على الصمود أمام استمرار الضغوط.