ريفينيتيف: الاقتصاد السعودي يواصل إظهار مرونته أمام الاضطرابات الإقليمية | اقتصاد | شبكة نفود الإخبارية
عاجل
اقتصاد
ريفينيتيف: الاقتصاد السعودي يواصل إظهار مرونته أمام الاضطرابات الإقليمية
✍️ عبدالحكيم طارق
شارك:
✍️ عبدالحكيم طارق
أكدت منصة «ريفينيتيف» المالية أن الاقتصاد السعودي يواصل إظهار مرونته في مواجهة الاضطرابات الإقليمية، مدعومًا بقوة الاحتياطيات المالية ومتانة القطاع المصرفي ونمو الأنشطة غير النفطية. ويأتي هذا التقييم في وقت تتابع فيه الأسواق العالمية تداعيات التوترات الجيوسياسية على أسعار الطاقة وتكلفة التمويل وتدفقات رؤوس الأموال، ما يجعل قدرة الاقتصادات المنكشفة على المنطقة على امتصاص الصدمات مؤشرًا محوريًا للمستثمرين ووكالات التصنيف.
## تقييم يربط المرونة بثلاثة ركائز
لا يقدم تقييم ريفينيتيف صورة منفصلة عن الواقع المالي للمملكة، بل يلخص مسارًا ترصده المؤسسات الدولية منذ بدء تنفيذ رؤية 2030: توسيع قاعدة النمو بعيدًا عن النفط، مع الإبقاء على مصدات وقائية مالية كافية لمواجهة تذبذب الإيرادات. والركائز الثلاثة التي أشارت إليها المنصة ليست شعارات، بل قنوات ملموسة يمكن قياسها: حجم الأصول الاحتياطية، وسلامة الميزانيات المصرفية وقدرتها على تمويل النشاط، ومساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي.
ويكتسب هذا الربط أهميته لأن الاضطرابات الإقليمية لا تنتقل إلى الاقتصاد عبر قناة واحدة. فهي قد ترفع أسعار النفط فتحسّن الإيرادات، أو تنخفض فيتسع العجز، كما قد تؤثر في تكلفة الشحن والتأمين وثقة المستثمر الأجنبي. ومن هنا تأتي قيمة وجود مصدر نمو داخلي أقل حساسية لدورة النفط، إلى جانب قدرة الجهاز المصرفي على مواصلة الإقراض دون ضغوط سيولة حادة.
## الأنشطة غير النفطية تثبّت مسار التنويع
تظهر البيانات الدولية أن قطاع الأنشطة غير النفطية لم يعد هامشيًا في حسابات النمو. وفق تقرير آفاق الاقتصاد الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في حزيران 2026، نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للمملكة بنسبة 4.5 في المئة عام 2025، وكان القطاع غير النفطي، الذي يمثل نحو 75 في المئة من الناتج، المحرك الرئيسي لهذا النمو بمساهمة بلغت 2.8 نقطة مئوية. وهذا الوزن النسبي يعني أن أي تقييم لمرونة الاقتصاد لا يمكن أن يقتصر على سعر برميل النفط أو حجم الصادرات.
وفي الاتجاه نفسه، نقلت تقارير نشرت في أغسطس 2026 أن الناتج المحلي غير النفطي نما بنسبة 4.2 في المئة عام 2025، في سياق حديث عن حفاظ المملكة على تصنيف ائتماني مرتفع رغم الاضطرابات. والفارق الطفيف بين هذا الرقم ورقم المنظمة لا يلغي الاتجاه؛ فكلا المصدرين يشير إلى توسع حقيقي في القطاعات غير النفطية خلال العام الماضي.
### أداء مطلع 2026 وتوقعات النمو
على المدى القصير، أوضح تقرير البنك المركزي السعودي عن أبرز التطورات الاقتصادية في الربع الأول من عام 2026 أن الأنشطة غير النفطية نمت بنسبة 2.9 في المئة على أساس سنوي. والرقم أقل من وتيرة نمو عام 2025، لكنه يبقى موجبًا، وهو مهم لأنه جاء في فترة لم تخلُ من تراجع أسعار الطاقة في بعض الفترات ومن ارتفاع حالة عدم اليقين الإقليمي. كما أشار التقرير نفسه إلى توقع البنك الدولي بنمو الاقتصاد السعودي بنسبة 4.3 في المئة في عام 2026.
وهذا التوقع لا يعني غياب المخاطر. فتقديرات النمو تظل حساسة لمسار الإنتاج النفطي ولحجم الإنفاق الاستثماري الحكومي ولقدرة القطاع الخاص على تحويل التراخيص والمشاريع الكبرى إلى إنتاج فعلي. لكن استمرار النمو غير النفطي، ولو بوتيرة أهدأ، يقلل احتمال أن تتحول صدمة خارجية إلى انكماش واسع في النشاط المحلي.
## الاحتياطيات المالية وسياسة المالية العامة
تشكل الاحتياطيات الخط الدفاع الأول عند انخفاض إيرادات النفط أو ارتفاع تكلفة الاستيراد أو اضطراب أسواق الدين. وقد أشار مجلس الأطلنطي، في تقدير نشر في سبتمبر 2026 مستندًا إلى توقعات صندوق النقد الدولي، إلى أن دين الحكومة السعودية يُتوقع أن يبلغ 32.1 في المئة فقط من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2026، فيما تقدّر ودائع الحكومة المركزية بنحو 7.9 في المئة من الناتج. وهذان الرقمان، إن تحققا، يضعان المملكة في موقع مالي أكثر راحة من كثير من الاقتصادات الناشئة والمتوسطة الدخل التي تجاوز نسب ديونها العامة عتبة 60 أو 80 في المئة من الناتج.
ولا يعني انخفاض نسبة الدين غياب العجز. فقد نقلت صحيفة «عرب نيوز» في السادس من أكتوبر 2026 أن الاقتصاد غير النفطي يكتسب مزيدًا من المرونة في وقت يتسع فيه العجز المالي، الذي بلغ 160 مليار ريال، أي نحو 42.7 مليار دولار، في النصف الأول من العام. والرسالة هنا مزدوجة: الحكومة تواصل الإنفاق على التحول الاقتصادي حتى مع تراجع بعض الإيرادات النفطية، لكن هذا الخيار يرفع الحاجة إلى إدارة دقيقة للدين وللاحتياطيات حتى لا يتحول العجز إلى ضغط على التصنيف الائتماني.
وفي مشاورات المادة الرابعة لعام 2026، ناقش صندوق النقد الدولي مسار العجز بالنسبة إلى الناتج غير النفطي، مشيرًا إلى أن السياسة المالية ما زالت متسقة مع النمو إذا بقي العجز قريبًا من مستويات عام 2025. والمقصود من هذا المؤشر هو قياس الوضع المالي بعيدًا عن تذبذب النفط، لأن الإيرادات غير النفطية هي التي يُفترض أن تموّل جزءًا متزايدًا من الإنفاق الجاري على المدى المتوسط.
## متانة القطاع المصرفي وتكلفة التمويل
الركيزة الثانية في تقييم ريفينيتيف هي القطاع المصرفي. والمصارف السعودية تموّل جزءًا كبيرًا من الإنفاق الرأسمالي ومن قروض الشركات والأفراد، وهي في الوقت نفسه تبحث عن مصادر تمويل أطول أجلًا لمواكبة نمو الائتمان. وقد ربط تقرير «عرب نيوز» المستند إلى ملاحظات وكالة «إس آند بي غلوبال» بين مرونة النشاط غير النفطي وبحث المصارف عن تمويل جديد، وهو ما يعكس طلبًا قويًا على الائتمان أكثر مما يعكس ضعفًا في الملاءة.
وهذا التمييز مهم للقارئ. فالبحث عن تمويل إضافي، سواء عبر إصدارات أو ودائع أطول أمدًا أو شراكات خارجية، يعني أن نمو القروض أسرع من نمو بعض مصادر التمويل التقليدية. وطالما بقيت نسب كفاية رأس المال وجودة الأصول ضمن الحدود التنظيمية، فإن هذا الوضع يدعم النشاط الاقتصادي ولا يهدده. أما إذا ارتفعت تكلفة التمويل بشكل حاد أو تراجعت جودة المحفظة الائتمانية، فسيتحول الأمر إلى قيد على الاستثمار الخاص. وحتى الآن، لا تشير البيانات المنشورة التي استند إليها تقييم ريفينيتيف إلى مثل هذا التحول.
كما أن توسع أصول القطاع المالي يظل هدفًا معلنًا ضمن رؤية 2030. وقد نقلت تقارير سابقة عن وزير المالية أن القطاع المالي يستهدف رفع إجمالي أصول القطاع المصرفي إلى نحو 1.2 تريليون دولار بحلول عام 2030. والرقم هدف تخطيطي لا نتيجة محققة، لكنه يوضح أن السياسة العامة تعد القطاع المصرفي جزءًا من أدوات التنويع لا مجرد قناة لتمرير السيولة.
## الاضطرابات الإقليمية وحدود التأثير
لا تعيش المملكة بمعزل عن محيطها. فأي تصعيد يمس مضيق هرمز أو الخليج أو مسارات الطاقة ينعكس على أقساط التأمين وعلى توقعات العرض والطلب في سوق النفط. وقد أشار تقرير للبنك الدولي إلى أن الاقتصاد أظهر مرونة مدعومة بالبنية اللوجستية، ومنها خط أنابيب الشرق والغرب، وبقوة القطاع غير النفطي، حتى في سيناريو يتضمن تراجع بعض مؤشرات النمو الإجمالي. وهذا التنويه يؤكد أن المرونة ليست شعارًا سياسيًا، بل نتيجة لوجود بدائل لتصدير الطاقة ولمصادر طلب داخلي.
وفي الثامن من أكتوبر 2026، نقلت وكالة الأنباء السعودية عن مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية أن الاقتصاد السعودي يظهر قوة ومرونة في مواجهة المستجدات إقليميًا وعالميًا، مع إبراز تطورات نوعية تعكس قدرة الرؤية على التكيف. وهذا التقييم الرسمي يتقاطع مع ما ذهبت إليه ريفينيتيف، لكن من زاوية صانع السياسة لا من زاوية منصة بيانات مالية. والتقاطع الوصفين يعزز المصداقية، بينما تبقى الأرقام الدولية هي المعيار الأدق لقياس مدى هذه المرونة.
## ماذا يعني ذلك للمستثمر ولسوق العمل؟
بالنسبة إلى المستثمر، تعني المرونة أن احتمال حدوث صدمة مفاجئة في سعر الصرف أو في قدرة الحكومة على خدمة ديونها ما زال منخفضًا مقارنة باقتصادات أكثر مديونية. كما أن استمرار نمو القطاعات غير النفطية يوفر طلبًا على الخدمات المالية واللوجستية والسياحة والتجزئة والتكنولوجيا، وهي قطاعات تستقطب توظيفًا أكثر كثافة من قطاع الاستخراج. وهذا الأثر مهم لسوق العمل، لأن هدف التنويع ليس رفع الناتج فقط، بل توسيع فرص العمل خارج القطاع الحكومي وخارج دورة النفط.
أما بالنسبة إلى المالية العامة، فالمرونة لا تلغي الحاجة إلى الانضباط. فالعجز المسجل في النصف الأول من 2026 يظهر أن الإنفاق على المشاريع والخدمات ما زال أعلى من الإيرادات في بعض الفترات. وإذا استمر هذا الفارق من دون نمو مقابل في الإيرادات غير النفطية، فسيرتفع مسار الدين حتى لو بقي أقل من مستويات كثير من الدول. ولذلك فإن قراءة ريفينيتيف لا تعني أن المخاطر انتهت، بل إن المملكة تملك أدوات كافية لامتصاصها دون الإخلال بمسار التنويع.
## خلاصة
يلتقي تقييم ريفينيتيف مع ما تقوله المؤسسات الدولية والبنك المركزي السعودي: الاقتصاد لم يعد أسير دورة نفط واحدة، والاحتياطيات وانخفاض نسبة الدين يمنحان هامش مناورة، والقطاع المصرفي ما زال قادرًا على تمويل النشاط رغم بحثه عن مصادر تمويل أوسع. وفي مقابل ذلك، يبقى العجز المالي ومسار أسعار النفط وتكلفة التمويل العناوين التي ستحدد ما إذا كانت هذه المرونة قادرة على الاستمرار حتى نهاية العقد. والمؤشر الأوضح للمتابعة في الفترة المقبلة هو مدى قدرة الإيرادات غير النفطية والنشاط الخاص على تعويض أي تراجع في القطاع النفطي، من دون استنزاف غير منضبط للاحتياطيات أو ارتفاع سريع في أعباء الدين.