صادرات النفط السعودية تتجه في أكتوبر إلى ثاني أعلى مستوى منذ اندلاع حرب إيران
✍️ ماجد القحطاني
شارك:
✍️ ماجد القحطاني
تتجه صادرات المملكة العربية السعودية من النفط الخام خلال شهر أكتوبر إلى تسجيل ثاني أعلى مستوى شهري منذ اندلاع الحرب مع إيران، وفق ما نقلته وكالة «الشرق-بلومبيرغ» عن بيانات تتبع الناقلات. ويأتي هذا الأداء في وقت تستمر فيه الهجمات على حركة الملاحة في مضيق هرمز، ما يعكس قدرة المملكة على الإبقاء على تدفقات نفطية مرتفعة رغم اضطرابات الممرات البحرية في الخليج.
وأظهرت البيانات التي نشرتها «الشرق-بلومبيرغ» في 11 أكتوبر 2026 أن متوسط الصادرات السعودية من النفط منذ مطلع أكتوبر بلغ 5.31 مليون برميل يومياً. ويُعدّ هذا المستوى ثاني أعلى معدل منذ اندلاع الحرب في نهاية فبراير الماضي، بعد متوسط سبتمبر الذي بلغ 7.12 مليون برميل يومياً وسجّل أعلى مستوى منذ بدء النزاع. وبالمقارنة مع أغسطس، حين كانت الصادرات نحو 3.41 مليون برميل يومياً، يبدو التعافي واضحاً في حجم الشحنات الخارجة من الموانئ السعودية.
## أرقام مطلع أكتوبر والفارق مع سبتمبر
لا يعني تراجع المتوسط من 7.12 مليون برميل يومياً في سبتمبر إلى 5.31 مليون في مطلع أكتوبر أن التدفق السعودي فقد زخمه. فالمستوى الجديد يبقى أعلى بكثير من القاع الذي سجلته الشحنات في الأشهر الأولى للحرب، حين هبطت الصادرات إلى ما دون أربعة ملايين برميل يومياً في مارس وأبريل، بعد أن كانت قريبة من سبعة ملايين برميل يومياً قبل اندلاع النزاع. وبهذا المعنى، فإن مطلع أكتوبر يمثل استمراراً لموجة التعافي التي بدأت في الصيف وتسارعت في سبتمبر، لا عودة إلى مستويات الانكماش الحادة.
وتشير بيانات تتبع الناقلات التي اعتمدت عليها «الشرق-بلومبيرغ» إلى أن الانخفاض بين سبتمبر ومطلع أكتوبر تركز بصورة أساسية في شحنات ميناء رأس تنورة، أكبر موانئ تصدير النفط السعودي على الخليج العربي. وفي المقابل، احتفظت شحنات ميناء ينبع على البحر الأحمر بمستوى ملاحظ، ما يشير إلى أن المملكة تُبقي مساراً بديلاً يتجنب المرور الكامل عبر مضيق هرمز عندما تشتد المخاطر الأمنية في الممر الشرقي.
ويعني تركز التراجع في رأس تنورة أن المسألة ليست فقط قدرة الإنتاج، بل أيضاً إيقاع تحميل الناقلات ومغادرتها الخليج في ظل تصاعد الهجمات. فالميناء الواقع شرق المملكة يظل القناة الرئيسة للشحنات المتجهة شرقاً نحو آسيا، بينما يوفر ينبع مرونة إضافية للأسواق التي يمكن خدمتها عبر البحر الأحمر وباب المندب.
## مضيق هرمز واستمرار الهجمات
جاءت هذه الأرقام رغم تصاعد الهجمات على حركة الملاحة في مضيق هرمز، الممر الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية. ونقلت «الشرق-بلومبيرغ» أن الصادرات السعودية حافظت على مستويات مرتفعة رغم تصعيد إيران وهجمات الحوثيين. وفي سياق متصل، أفادت تقارير نشرت في مطلع أكتوبر أن صادرات النفط من الشرق الأوسط، باستثناء إيران، تجاوزت مستويات ما قبل الحرب خلال الأسبوع السابق، رغم استهداف ناقلات في المضيق.
ويضع هذا السياق الأداء السعودي في موضع أوسع من مجرد رقم شهري. فالمملكة تظل المورّد الأكبر للنفط الخام في العالم، وأي انقطاع ممتد في شحناتها ينعكس بسرعة على أسعار الخام وعلى توفر الإمدادات للمصافي في آسيا وأوروبا. وقد أظهرت الأشهر الماضية أن اضطراب هرمز لا يُلغي بالضرورة التصدير السعودي، لكنه يرفع كلفة التأمين والنقل ويغير مسارات بعض الشحنات.
وفي تطور لاحق، نقلت «الشرق-بلومبيرغ» أن صادرات نفطية سعودية عادت للعبور عبر باب المندب، بنحو 1.5 مليون برميل يومياً، وهو ما يعادل نحو نصف حجم المرور قبل التصعيد الحوثي. ويعني ذلك أن المملكة لا تعتمد على ممر واحد، بل تُوزّع الشحنات بين الخليج والبحر الأحمر بحسب تقييم المخاطر.
## مسار التعافي منذ نهاية فبراير
يساعد وضع رقم أكتوبر في سياقه الزمني على فهم مدى التعافي. فقبل الحرب، كانت المملكة تشحن نحو سبعة ملايين برميل يومياً. ومع اندلاع النزاع في نهاية فبراير، هبطت الشحنات إلى أقل من أربعة ملايين برميل يومياً في مارس وأبريل، قبل أن تعود تدريجياً. وفي سبتمبر، قفزت الصادرات إلى نحو ستة ملايين برميل يومياً بحسب بعض تقديرات التتبع، بينما وضعت بيانات نشرتها «الشرق-بلومبيرغ» متوسط الشهر عند 7.12 مليون برميل يومياً، في أعلى مستوى منذ بدء الحرب. ووصفت تقارير أخرى القفزة بنحو 80 في المئة مقارنة بأغسطس.
وليس الفارق بين تقديرات التتبع تفصيلاً فنياً فحسب. فهو يعكس أن بيانات الناقلات تُحدّث أحياناً بشكل مختلف بحسب نطاق الشهر المغطى ونوع الشحنة المحسوبة. لكن الاتجاه واحد: الصادرات السعودية خرجت من قاع الربيع وعادت في الصيف ومطلع الخريف إلى مستويات تُعد من أعلى ما سجل منذ اندلاع الحرب.
## الإنتاج والصادرات: رقمان مختلفان
ينبغي التمييز بين إنتاج النفط الخام وصادراته. فالإنتاج يشمل ما يُستهلك محلياً وما يُخزّن وما يُصدّر، بينما تقيس بيانات الناقلات الكميات التي غادرت الموانئ فعلاً. وفي 13 أكتوبر، نقلت بلومبيرغ أن الرياض أبلغت منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» أن إنتاجها ارتفع بنحو مليوني برميل يومياً ليصل إلى 8.372 مليون برميل يومياً، متعافياً من مستوى وصفته الوكالة بأنه الأدنى منذ نحو ثلاثة عقود.
ويوضح هذا الفارق لماذا يمكن أن يكون الإنتاج قريباً من 8.4 مليون برميل يومياً بينما تظل الصادرات المرصودة في مطلع أكتوبر عند 5.31 مليون برميل يومياً. فجزء من الإنتاج يُوجه إلى الاستهلاك المحلي وإلى مخزون التشغيل وإلى المصافي داخل المملكة، ولا يظهر كله في بيانات الناقلات المغادرة. كما أن تقديرات التتبع الأولية لأكتوبر لا تغطي الشهر كاملاً، وقد يتغير المتوسط النهائي مع اكتمال جدول التحميل.
وفي مؤشر لاحق، نقلت «الشرق-بلومبيرغ» عن شركة «تانكر تراكرز» أن صادرات السعودية من النفط الخام بلغت 8.165 مليون برميل يومياً في أول 15 يوماً من أكتوبر. وهذا الرقم، إن تأكد على مدى الشهر كاملاً، يرفع متوسط أكتوبر بشكل ملحوظ فوق تقدير مطلع الشهر البالغ 5.31 مليون برميل يومياً، ويدعم وصف الشهر بأنه يتجه نحو ثاني أعلى مستوى منذ اندلاع الحرب، بل قد يقربه من ذروة سبتمبر إذا استمر إيقاع التحميل بالوتيرة نفسها حتى نهاية الشهر.
## الأثر المالي والأسعار
لا يقتصر أثر ارتفاع الصادرات على حجم البراميل. فالحرب رفعت أسعار الخام، ونقلت بلومبيرغ في سياق قفزة سبتمبر أن عقود برنت الآجلة لامست مستوى 105 دولارات للبرميل. وكلما ارتفع السعر مع ارتفاع الحجم، اتسعت الإيرادات النفطية التي تموّل الميزانية العامة وبرامج الإنفاق الرأسمالي.
وقدّرت تقارير نشرت في مطلع أكتوبر أن إيرادات النفط السعودية ارتفعت من نحو 150 مليار دولار قبل الحرب إلى نحو 210 مليارات دولار سنوياً، بفارق يقارب 60 مليار دولار، أي ما يعادل نحو 6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وهذه تقديرات خارجية وليست أرقاماً رسمية سعودية، لكنها توضح لماذا يُنظر إلى استمرار التصدير بوصفه عاملاً مالياً بقدر ما هو عامل تجاري. فالبرميل الإضافي عند سعر يفوق مئة دولار يولد تدفقاً نقدياً أكبر من البرميل نفسه عند سعر ما قبل الحرب.
وفي الوقت نفسه، لا يخلو هذا المسار من تكلفة. فارتفاع أقساط التأمين على الناقلات، وطول بعض المسارات، والحاجة إلى تخزين تشغيلي أكبر، كلها عناصر تخفض صافي العائد مقارنة بما كان عليه الحال قبل اضطراب الممرات. لذلك فإن الرقم الأهم للمالية العامة ليس حجم التصدير وحده، بل صافي الإيراد بعد خصم تكاليف النقل والتأمين والتشغيل.
## ماذا يعني الرقم للأسواق
يحمل استمرار التصدير السعودي عند مستوى يفوق خمسة ملايين برميل يومياً رسالة مزدوجة للأسواق. الرسالة الأولى أن الإمداد من أكبر منتج في «أوبك» لم ينقطع رغم الحرب، وأن المشترين في آسيا يمكنهم الاعتماد على تدفق مستمر نسبياً. والرسالة الثانية أن هذا التدفق ليس مضموناً بالحجم الذي كان عليه قبل الحرب، وأن أي تصعيد جديد في هرمز قد يعيد جزءاً من الشحنات نحو مسارات أطول أو نحو التأجيل.
وبالنسبة إلى «أوبك»، فإن عودة الإنتاج السعودي نحو 8.4 مليون برميل يومياً تعني أن المملكة تساهم مجدداً في تعويض جزء من الفاقد الناتج عن اضطراب الإمدادات الإيرانية وعن تعطل بعض الممرات. لكن المنظمة نفسها تواجه سؤالاً مختلفاً: هل يُبقى الإنتاج مرتفعاً لتهدئة الأسعار، أم يُعاد ضبطه إذا بدأ السوق يظهر فائضاً مع عودة جزئية للإمدادات المنقطعة؟ وحتى الآن، لا تشير البيانات المنشورة إلى قرار جديد بخفض الإنتاج، بل إلى استمرار التعافي من القاع.
## الموانئ واللوجستيات
يعتمد الأداء السعودي في هذه الظروف على ثلاثة عناصر مترابطة: قدرة الحقول على رفع الإنتاج بسرعة، وقدرة الموانئ على استيعاب الناقلات، وقدرة الملاحة على الوصول إلى الزبائن. ورأس تنورة يظل العقدة الأساسية للشحنات المتجهة شرقاً، لكن انخفاض شحناته في مطلع أكتوبر يظهر أن الاختناق ليس في الإنتاج فحسب، بل في إيقاع المغادرة من الخليج حين تشتد الهجمات.
أما ينبع، فيوفر للمملكة نافذة غربية لا تمر بهرمز. واحتفاظ شحناته بمستوى ملاحظ، بينما تراجعت شحنات رأس تنورة، يعني أن السياسة التشغيلية تُفضّل توزيع المخاطر على إيقاف التصدير. وهذا الخيار مكلف، لأن بعض العملاء الآسيويين يفضلون الشحنة القادمة من الخليج لقصر المسارة، لكنه يحمي الحصة السوقية للمملكة في وقت يبحث فيه المشترون عن مورد يمكن الاعتماد عليه.
## ما الذي يراقبه السوق حتى نهاية الشهر
يبقى رقم مطلع أكتوبر تقديراً أولياً، لا حصيلة نهائية. وسيراقب المتابعون ثلاثة أمور حتى إغلاق الشهر: هل يظل متوسط الصادرات قريباً من 5.31 مليون برميل يومياً، أم يرتفع نحو مستوى النصف الأول البالغ 8.165 مليون برميل يومياً الذي نقلته «تانكر تراكرز»؟ وهل تعود شحنات رأس تنورة إلى الارتفاع إذا هدأت هجمات هرمز؟ وهل يبقى ينبع وباب المندب مسارين فعالين إذا استمر التصعيد الحوثي؟
والإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد ما إذا كان أكتوبر شهر تثبيت عند ثاني أعلى مستوى، أم شهر عودة إلى ذروة سبتمبر. وفي الحالتين، فإن الصورة التي رسمتها بيانات «الشرق-بلومبيرغ» واضحة: المملكة تصدّر النفط بمعدلات لم تعهدها الأسواق منذ اندلاع الحرب، وهي تفعل ذلك بينما لا تزال الهجمات مستمرة في أهم ممر بحري للطاقة في العالم.