صادرات النفط السعودية تتجه في أكتوبر لثاني أعلى مستوى منذ حرب إيران

تتجه صادرات المملكة العربية السعودية من النفط خلال شهر أكتوبر إلى تسجيل ثاني أعلى مستوى شهري منذ اندلاع حرب إيران، وفقاً لما نقلته وكالة «الشرق-بلومبيرغ». ويعكس هذا المسار قدرة المملكة على الإبقاء على تدفقات نفطية مرتفعة نحو الأسواق العالمية، رغم استمرار المخاطر المرتبطة بحركة الملاحة في مضيق هرمز وتصاعد الهجمات التي استهدفت الناقلات ومسارات الشحن في المنطقة.
وأوضحت تقارير الشرق-بلومبيرغ أن الصادرات السعودية حافظت على مستويات مرتفعة مع مطلع أكتوبر، بمتوسط بلغ 5.31 ملايين برميل يومياً، وهو ثاني أعلى معدل منذ اندلاع الحرب. ويأتي هذا الأداء بعد شهر سبتمبر الذي شهدت فيه الشحنات السعودية قفزة أوصلتها إلى نحو ستة ملايين برميل يومياً، في أعلى مستوى منذ بداية النزاع، وفقاً لبيانات تتبع حركة الناقلات نقلتها وكالة بلومبيرغ ومنصات الشرق-بلومبيرغ.
صمود الشحنات رغم تصاعد الهجمات
أشارت تغطية الشرق-بلومبيرغ إلى أن المملكة حافظت على المستوى المرتفع للصادرات رغم تصعيد إيران وهجمات استهدفت حركة الملاحة في مضيق هرمز. كما أوضحت التغطية أن شحنات ميناء رأس تنورة سجلت تراجعاً في بداية أكتوبر، من دون أن يؤدي ذلك إلى كسر المستوى الإجمالي للصادرات السعودية.
ويكشف هذا التفاوت بين أداء ميناء واحد والمجموع الكلي عن مرونة نظام التصدير السعودي. فالمملكة لا تعتمد على نقطة شحن واحدة، بل توزع التدفقات عبر موانئ عدة ومسارات متنوعة. وعندما يتراجع التحميل من ميناء ما، يمكن تعويض جزء من الكميات عبر منافذ أخرى، ما دام الإنتاج والتخزين والبنية اللوجستية قادرة على استيعاب إعادة التوزيع.
وفي سياق الحرب، لا تُقاس استمرارية التصدير بالكمية فحسب، بل بقدرة المنتج على التكيف مع تغير مستوى المخاطر من أسبوع إلى آخر. والأرقام المتاحة عن مطلع أكتوبر تشير إلى أن السعودية نجحت في الإبقاء على تدفق يفوق خمسة ملايين برميل يومياً، رغم أن بيئة الملاحة لم تعد إلى وضعها الطبيعي.
مضيق هرمز وأهمية المسار البديل
يظل مضيق هرمز الممر الرئيسي لصادرات النفط من الخليج العربي نحو آسيا وأسواق أخرى. وأي اضطراب في حركة الناقلات داخله ينعكس سريعاً على تكاليف التأمين وأوقات الانتظار وقرارات المشترين. ولهذا السبب اكتسب خط الأنابيب شرق-غرب، المعروف أيضاً باسم بترولاين، أهمية إضافية خلال الأشهر الماضية؛ فهو ينقل الخام من منطقة الإنتاج في شرق المملكة إلى موانئ البحر الأحمر، ما يوفر مساراً بديلاً عن المرور الكامل عبر هرمز.
ونقلت بلومبيرغ في الثاني من أكتوبر أن السعودية رفعت تدفقات النفط عبر هذا الخط العابر للمملكة إلى أكثر من 80 في المئة من طاقته، مع توفر كميات إضافية للتصدير. وفي الخامس من الشهر نفسه، نقلت الوكالة عن مطلعين أن الخط كان يعمل بشكل طبيعي بعد تقارير سابقة تحدثت عن توقفه. وتبرز هذه التطورات أهمية البنية البرية في حماية حصة المملكة من سوق النفط العالمية عندما تتعرض ممرات الخليج لضغوط أمنية.
طاقة تصديرية لا تقتصر على الإنتاج
لا يكفي ارتفاع الإنتاج وحده لضمان وصول النفط إلى المشتري. فالعمل الحاسم هو قدرة منظومة التصدير على جمع الناقلات وتأمين المرور وإدارة المخزون والتنسيق بين الحقول والموانئ. وتشير بيانات سبتمبر وأكتوبر إلى أن هذه الحلقة ظلت قادرة على العمل بمعدلات قريبة من أعلى مستوياتها خلال الحرب، حتى مع تراجع مؤقت في شحنات رأس تنورة.
وتكتسب هذه المرونة أهمية خاصة للمشترين في آسيا، التي تظل الوجهة الرئيسية للشحنات السعودية. فقد نقلت العربية عن بلومبيرغ في أواخر سبتمبر أن شحنات النفط السعودية إلى آسيا سجلت أعلى مستوى لها منذ بداية الحرب على إيران. ويعني ذلك أن الطلب الآسيوي ظل قادراً على استيعاب الكميات الإضافية، في وقت كانت فيه بعض التدفقات المنافسة من المنطقة أكثر عرضة للانقطاع.
من سبتمبر إلى أكتوبر: استمرار لا قفزة عابرة
الفارق بين نحو ستة ملايين برميل يومياً في سبتمبر و8.31 ملايين في مطلع أكتوبر لا يعني بالضرورة تراجعاً هيكلياً في قدرة التصدير. فشحنات النفط الشهرية تتأثر بتوقيت التحميل وبرنامج الصيانة وبطلب المشترين وبظروف الملاحة، وقد يختلف المتوسط اليومي بين أول الشهر ونهايته. لذلك يبقى الوصف الأدق لما يجري في أكتوبر هو أن الصادرات تتجه نحو ثاني أعلى مستوى شهري منذ اندلاع الحرب، لا أنها تجاوزت ذروة سبتمبر.
وهذا التمييز مهم لقراءة السوق. فالقفزة الكبيرة في شهر واحد قد تعكس تعويضاً عن تأخيرات سابقة أو نافذة تحميل استثنائية، بينما يعكس الإبقاء على معدل مرتفع لشهر ثان قدرة أوسع على تكرار العملية. والبيانات المنشورة حتى الآن تضع أكتوبر في الخانة الثانية، ما يعني أن سبتمبر ما زال يمثل القمة خلال فترة الحرب، فيما يبقى الشهر الحالي قريباً من تلك القمة.
السوق العالمية ودور المملكة
جاءت قفزة سبتمبر في وقت كانت فيه أسعار النفط مرتفعة بسبب مخاطر الإمدادات. ونقلت بلومبيرغ أن زيادة الشحنات السعودية والخليجية رفعت الصادرات إلى أعلى مستوى منذ بداية الحرب، في وقت وصلت فيه عقود برنت إلى 105 دولارات للبرميل. كما أشارت تقارير لاحقة إلى تراجع الأسعار نحو مستوى 100 دولار مع ظهور مؤشرات على زيادة التدفقات عبر هرمز وآمال دبلوماسية. وهكذا تبقى العلاقة بين حجم الشحنات والسعر مرتبطة بمدى استمرار المخاطر، لا بالكمية وحدها.
وتُظهر الصادرات السعودية في هذا السياق بوصفها عامل توازن. فكلما استطاعت المملكة زيادة الكميات المتاحة، خففت جزءاً من القلق المرتبط بانقطاع الإمدادات الخليجية. لكن هذا لا يلغي أثر الهجمات أو مخاطر التأمين؛ فالسوق تظل تسعّر احتمال حدوث اضطراب مفاجئ حتى لو كانت الشحنات الفعلية مرتفعة. ومن هنا تأتي أهمية الإبقاء على معدل مستقر لعدة أسابيع، لأنه يمنح المشترين والمنتجين إشارة أوضح من قفزة لا تتكرر.
الإيرادات والاقتصاد المحلي
تبقى صادرات النفط مصدراً رئيساً للإيرادات الحكومية ولميزان المدفوعات الخارجية، رغم توسع قطاعات أخرى ضمن مسار التنويع. وارتفاع الكميات المصدّرة في ظل أسعار مرتفعة نسبياً يعزز التحصيلات، لكنه لا يلغي حاجة الدولة إلى إدارة حذرة للإنفاق؛ فأسعار النفط قد تتراجع بسرعة إذا تراجعت مخاطر الإمدادات أو ضعف الطلب العالمي.
كما أن جزءاً من المكسب الحالي يرتبط بظروف استثنائية لا يمكن التعويل على استمرارها. فالحرب رفعت أسعار النقل والتأمين، وأجبرت المنتجين على استخدام مسارات أطول أو أكثر تكلفة في بعض الحالات. ولذلك فإن العائد الصافي للبرميل لا يعادل بالضرورة سعر البيع في السوق. ومع ذلك، فإن قدرة المملكة على الإبقاء على الحجم تمنحها موقعاً أفضل من منتجين اضطروا إلى خفض شحناتهم بسبب ضيق الممرات البحرية.
الشرق الأوسط خارج إيران
لا تقتصر الصورة على السعودية. فقد نقلت الجزيرة نت في الخامس من أكتوبر أن صادرات النفط من الشرق الأوسط، باستثناء إيران، تجاوزت مستويات ما قبل الحرب خلال الأسبوع السابق، رغم الهجمات التي استهدفت ناقلات في مضيق هرمز. ويعني ذلك أن المنتجين الخليجيين استطاعوا، بصورة جماعية، إعادة جزء كبير من التدفقات إلى السوق، بينما ظلت الصادرات الإيرانية خارج هذه المعادلة.
ويضع هذا التطور السعودية في موقع مركزي داخل مجموعة المنتجين القادرين على التصدير. فالمملكة تمتلك أكبر طاقة إنتاجية في المنطقة، وتمتلك أيضاً الخط البري الأهم للتحايل جزئياً على هرمز. وعندما ترتفع صادراتها في الوقت الذي تتعافى فيه صادرات جيرانها، فإن الرسالة الموجهة إلى السوق هي أن الخليج ما زال قادراً على توريد كميات كبيرة، حتى لو بقيت بعض المسارات معرضة للخطر.
ما الذي يراقبه السوق حتى نهاية الشهر؟
سيبقى السؤال الأساسي هو ما إذا كان متوسط مطلع أكتوبر سيصمد حتى نهاية الشهر. فالهجمات على الملاحة قد تغير جدول التحميل خلال أيام، كما أن أي تعطل في خط شرق-غرب أو في ميناء رئيسي سينعكس على المتوسط الشهري. وفي المقابل، قد ترتفع الشحنات مجدداً إذا استمر الخط البري في العمل قرب طاقته القصوى وتوافرت الناقلات.
وسيراقب المشترون أيضاً فارق السعر بين الخام المنقول عبر هرمز وذلك المنقول عبر البحر الأحمر، لأن تكلفة النقل والتأمين وزمن الرحلة تختلف بين المسارين. كما سينظر السوق إلى مدى قدرة المنتجين الخليجيين على الإبقاء على المستوى الحالي إذا تصاعدت الهجمات مرة أخرى، أو إذا أفضت أي مباحثات إلى هدوء مؤقت في المضيق.
رسالة الاستمرار التشغيلي
النتيجة الأبرز حتى الآن هي أن السعودية لم تفقد قدرتها على التصدير بمعدلات مرتفعة مع دخول الحرب شهرها الثامن تقريباً. بل على العكس، انتقلت الشحنات من مستويات منخفضة في الأشهر الأولى للنزاع إلى قمة في سبتمبر، ثم حافظت على مرتبة قريبة من تلك القمة في بداية أكتوبر. وهذا المسار هو ما جعل وكالة الشرق-بلومبيرغ تصف أداء الشهر الحالي بأنه يتجه نحو ثاني أعلى مستوى شهري منذ اندلاع الحرب.
ولا تعني هذه النتيجة أن المخاطر انتهت. فالهجمات ما زالت مستمرة، وشحنات رأس تنورة تراجعت، والأسعار ما زالت حساسة لأي أنباء واردة من المضيق. لكن البيانات المتاحة تؤكد أن المملكة استطاعت، حتى الآن، تحويل طاقتها الإنتاجية وبنيتها البديلة إلى شحنات فعلية تصل إلى السوق. وهذا هو المعيار الأهم لقياس موثوقية الإمدادات في ظل حرب لم تنته بعد.