سلام: تخزين السلاح ونقله خارج الجهات الشرعية يقتضي الملاحقة القضائية وأشد العقاب
✍️ فريق تحرير نفود
شارك:
✍️ فريق تحرير نفود
أكد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام أن تخزين السلاح ونقله من خارج الجهات الشرعية يقتضي الملاحقة القضائية، ودعا إلى إنزال أشد العقاب بمن ينقل السلاح أو يخزنه ويهدد سلامة المواطنين. ويأتي هذا الموقف في سياق تصاعد ملف حصر السلاح بيد الدولة، وبعد إعلان السلطات اللبنانية إيقاف شاحنة تحمل كمية كبيرة من المواد المتفجرة كانت في طريقها إلى بيروت، خارج إشراف الأجهزة الرسمية.
ويعكس كلام سلام خط الحكومة المعلن في التعامل القانوني مع أي سلاح يبقى خارج إطار الشرعية، سواء في الحيازة أو النقل أو التخزين أو الاستخدام. وتؤكد مصادر إعلامية متعددة، من بينها يورونيوز والعربية والقاهرة الإخبارية، أن رئيس الحكومة شدد في تصريحات نشرت يوم الاثنين 12 تشرين الأول/أكتوبر 2026 على أن الحكومة لن تتهاون مع أي تهديد لأمن البلاد، وأنها ستتعامل بالحزم المطلوب مع كل سلاح يخرج عن إطار الدولة.
## شاحنة المتفجرات والإحالة إلى القضاء
أعلن سلام أن القوات الأمنية أوقفت قبل أيام شاحنة تحمل مئات الكيلوغرامات من المواد المتفجرة. ووفق ما نقلته وكالة أسوشيتد برس وشبكة ABC وصحيفة تايمز أوف إسرائيل، كانت الشاحنة تنقل نحو 780 كيلوغراماً من المتفجرات، من بينها 250 كيلوغراماً من مادة التي إن تي و250 كيلوغراماً من متفجرات سي 4 البلاستيكية. وأفادت تقارير أخرى بأن الكمية المضبوطة في المرحلة الأولى بلغت نحو 500 كيلوغرام، قبل أن ترتفع التقديرات اللاحقة إلى 780 كيلوغراماً.
وقال سلام إن مادة سي 4 استُخدمت في عدد من الاغتيالات السياسية المعروفة في تاريخ لبنان الحديث، وهو ما يضع الشحنة في إطار أوسع من مجرد مخالفة نقل. وتعهد بكشف ملابسات العملية وملاحقة جميع المتورطين وإحالتهم إلى القضاء. ونقلت مصادر قضائية، حسب تقارير نشرتها أسوشيتد برس وبيروت تودي، أن التحقيق انطلق لتحديد مصدر الشحنة ووجهتها والجهة التي كانت تسعى إلى تخزينها أو استخدامها.
ولم يقتصر موقف رئيس الحكومة على الإدانة السياسية. فالملاحقة القضائية، كما ورد في البيان المنسوب إليه، هي المسار الذي تريد السلطة التنفيذية سلوكه أمام أي عملية نقل أو تخزين تتم بعيداً عن الجيش وقوى الأمن الداخلي والأجهزة الرسمية المخولة بحيازة السلاح. وهذا التحديد مهم قانونياً، لأن التخزين والنقل ليسا مجرد فعل مادي، بل يمسان بسيادة الدولة على أراضيها وبحق المواطن في الأمان.
## حصر السلاح وقرار الحكومة
لا يمكن فهم تصريح سلام بمعزل عن المسار الذي سلكته الحكومة منذ مطلع العام. ففي الثاني من آذار/مارس 2026، أعلن مجلس الوزراء اللبناني، وفق البيان المنشور على الموقع الرسمي لرئاسة مجلس الوزراء، رفض الدولة المطلق لأي أعمال عسكرية أو أمنية تنطلق من الأراضي اللبنانية خارج مؤسساتها الشرعية. وفي اليوم نفسه، نقلت الجزيرة نت إعلان سلام حظر الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله باعتبارها خارجة عن القانون، مع حصر مجال عمل الحزب في الشق السياسي.
ومنذ ذلك القرار، تكرر المطلب الرسمي في أكثر من محطة. ففي أيلول/سبتمبر 2026، نقلت صحيفة الشرق الأوسط أن لبنان رفع مطلبه بحصرية السلاح وإنهاء الاحتلال إلى واشنطن. ومن داخل الحكومة، رفع وزير العدل عادل نصار سقف التحذير من استمرار السلاح خارج الشرعية، معرباً عن قناعته بإمكان تسليمه إلى الدولة بالمنطق. وفي تصريحات سابقة، ربط وزير الخارجية اللبناني استقرار البلاد بإنهاء الاحتلال وتسليم سلاح حزب الله، مؤكداً أنه لا استقرار مع سلاح موازٍ للشرعية.
وبعد ضبط الشاحنة، عاد نصار ليرفع السقف مرة أخرى. ونقلت صحيفة عرب نيوز عنه تحذيره من أن شحنة المتفجرات تمثل انتهاكاً للأمن الوطني، وأن خطرها لا يقتصر على وجودها، بل يشمل أيضاً مخاطر نقلها وتخزينها بكميات كبيرة، في ظل غموض يحيط بالجهة التي كانت مخصصة لها. وهذا الكلام يتقاطع مباشرة مع عبارة سلام عن التخزين والنقل بوصفهما فعلين يستدعيان الملاحقة والعقاب.
## لماذ يهم التخزين والنقل قانونياً؟
التمييز الذي يرسمه رئيس الحكومة ليس تفصيلاً لغوياً. فحيازة السلاح قد تكون فعلاً ثابتاً، أما نقله وتخزينه خارج الأجهزة الرسمية فيعنيان حركة وتنظيماً وبنية تحتية لاستخدام لاحق. ومن هنا تأتي صراحة سلام في أن هذين الفعلين يقتضيان الملاحقة القضائية، وأن من يقوم بهما ويهدد سلامة المواطنين يجب أن ينال أشد العقاب.
ويحمل هذا الموقف ثلاث دلالات مترابطة. أولاها أن الدولة لا تكتفي بالمطالبة السياسية بتسليم السلاح، بل تعد النقل والتخزين جريمة يجب أن تدخل النيابة العامة والقضاء في ملاحقتها. وثانيها أن العقوبة لا تقتصر على من يستخدم السلاح، بل تشمل من ينقله ويخزنه، أي سلسلة التهريب والتخزين والتوزيع. وثالثها أن معيار التجريم هو تهديد سلامة المواطنين، لا الانتماء السياسي للجهة التي تقوم بالفعل.
وفي بلد عاش حروباً داخلية واغتيالات سياسية وانفجارات كبرى، لا يمر ذكر مادة سي 4 من دون أثر. فهذه المادة ارتبطت في الذاكرة اللبنانية بعمليات استهدفت قيادات سياسية وصحفيين ومواقع مدنية. وحين يشير سلام إلى هذا السجل، فإنه يربط بين الكمية المضبوطة وبين خوف متراكم لدى اللبنانيين من أن تتحول المتفجرات المخزنة بعيداً عن رقابة الدولة إلى أداة قتل أو ترهيب.
## السياق الأمني والسياسي
يأتي الإعلان في وقت يواجه فيه لبنان ضغوطاً متعددة لإنهاء حالة السلاح خارج الدولة. فالحكومة تريد أن تثبت أن قرار آذار/مارس ليس نصاً معلقاً، وأن الأجهزة الأمنية قادرة على اعتراض شحنات تتحرك بعيداً عن الرقابة الرسمية. وفي الوقت نفسه، تبقى البلاد أمام مطالب دولية بتنفيذ القرار 1701 وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، وفي مقدمتها إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لمواقع لبنانية.
ويرى محللون أن نقل شحنة بهذا الحجم نحو العاصمة يحمل رسالة سياسية تتصل بقرارات الحكومة المتعلقة بالسلاح. وقد نقلت وسائل إعلام محلية عن المحلل السياسي داوود رمال أن نقل شحنة متفجرات بوزن مئات الكيلوغرامات إلى بيروت خارج إشراف الدولة يتصل بهذه القرارات. وفي المقابل، لم تصدر عن حزب الله، وفق ما نقلته تايمز أوف إسرائيل، تعليقات فورية على الصلة المشتبه به بالشحنة، قبل أن تنشر لاحقاً روايات عن موقف الحزب من الكمية المصادرة.
وتبقى الحكومة أمام معادلة دقيقة. فهي تريد أن تبدو حازمة أمام الداخل والخارج، من دون أن تتحول عملية الملاحقة إلى مواجهة ميدانية قد تفجر الوضع الأمني. ولذلك اختارت لغة القضاء لا لغة العمليات العسكرية: تحقيق، وملاحقة، وإحالة، وعقوبة. وهذا الخيار يحمي الدولة من اتهامها بالانتقام السياسي، لكنه يضع القضاء أمام ملف شديد الحساسية، ويتطلب أدلة قابلة للصمود أمام المحاكم.
## الأثر على المواطن والاقتصاد
لا يتوقف أثر ملف السلاح عند حدود الأمن. فكل شحنة متفجرات تتحرك خارج الرقابة الرسمية تعيد فتح أسئلة حول سلامة الطرق والموانئ والأحياء السكنية. وفي بلد ما زال يتعافى من آثار انفجار مرفأ بيروت عام 2020، يكتسب أي حديث عن تخزين مواد متفجرة بالقرب من المدن حساسية مضاعفة. وقد أشار سلام إلى سلامة المواطنين بوصفها المعيار الأساسي للعقاب، لا بوصفها شعاراً سياسياً فقط.
وينعكس هذا القلق أيضاً على الاقتصاد. فالمستثمرون والمؤسسات المالية الدولية يربطون أي استقرار نقدي في لبنان بقدرة الدولة على ضبط الحدود والمرافئ ومنع تحول السلاح إلى سلطة موازية. وكلما ظهر ملف جديد عن نقل متفجرات أو تخزينها، عادت أسئلة الثقة بالأجهزة الرقابية والجمركية والقضائية إلى الواجهة. ومن هنا تكتسب عبارة «أشد العقاب» معنى اقتصادياً أيضاً: فالعقوبة الواضحة هي رسالة إلى الأسواق بأن الدولة لن تتساهل مع ما يهدد الاستقرار الذي تحتاجه أي عملية تعافٍ.
## ما الذي يترتب على الإعلان؟
الخطوة التالية ليست بياناً إضافياً، بل مسار تحقيق يجب أن يجيب عن أسئلة محددة: من أين جاءت الشحنة؟ ومن مولها؟ وأين كانت ستُخزن؟ وهل كانت جزءاً من شبكة أوسع؟ وهل ستكتفي النيابة العامة بالمتورطين المباشرين أم ستوسع التحقيق ليشمل سلسلة الأمر والتمويل؟ والإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد إذا كان وعد الملاحقة القضائية قابلاً للتنفيذ.
وفي الانتظار، يبقى المعلن هو أن الدولة تعد التخزين والنقل خارج الجهات الشرعية فعلاً يستوجب العقاب، لا مجرد الإنكار السياسي. وهذا التحول في اللغة هو ما يميز موقف سلام الأخير عن الخطابات السابقة التي اكتفت بالدعوة إلى حصر السلاح. فالحصر مطلب استراتيجي، أما الملاحقة فهي أداة تنفيذية. وبين الاثنين مسافة سيقاس القضاء والأجهزة الأمنية على قدرتهما على قطعها بأحكام قابلة للتنفيذ.
ويبقى الملف مفتوحاً على أكثر من جبهة. فمن جهة، هناك تحقيق في شحنة محددة يجب أن ينتهي إلى إحالة واضحة. ومن جهة ثانية، هناك مطلب حكومي مستمر بإنهاء أي وجود عسكري أو أمني خارج المؤسسات. ومن جهة ثالثة، هناك سياق إقليمي يربط استقرار لبنان بإنهاء الاحتلال وبعدم وجود سلاح موازٍ لسلاح الدولة. والجمع بين هذه الجبهات هو الاختبار الحقيقي لعبارة سلام: هل ستتحول الملاحقة القضائية من شعار إلى مسار منتظم ينتهي بأحكام، أم ستبقى جزءاً من خطاب سياسي لا يغير واقع السلاح على الأرض؟
وحتى تظهر نتائج التحقيق، يبقى الثابت أن الدولة اللبنانية وضعت خطاً أحمر جديداً: لا تساهل مع النقل، ولا تساهل مع التخزين، ولا حماية لمن يهدد سلامة المواطنين بسلاح يبقى خارج الجهات الشرعية. والاختبار الآن ليس في قوة العبارة، بل في قدرة القضاء والأجهزة الأمنية على تحويلها إلى إجراءات لا تميز فيها ولا استثناء.