ويتكوف بعد لقاء بوتين: المناقشات بناءة وستتواصل والرئيس الأمريكي ترامب ملتزم بإنهاء الحرب

قال المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف إن المناقشات مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كانت بناءة وستتواصل، مؤكدًا أن الرئيس الأمريكي ترامب ملتزم بإنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا، وأن عملًا مهمًا ما زال مطلوبًا للتوصل إلى تسوية بين الجانبين. ويأتي التصريح بعد لقاء عقد في سان بطرسبرغ، وتوافق مع ما نقلته وكالات أنباء دولية من موافقة روسية مبدئية على استئناف مفاوضات ثلاثية بوساطة أميركية خلال الشهر المقبل.
لقاء سان بطرسبرغ وما ترتب عليه
استضاف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يوم الأربعاء، المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي ترامب ستيف ويتكوف في سان بطرسبرغ، في جولة جديدة من جهود واشنطن لإيقاف الحرب المستمرة منذ شباط/فبراير 2022. ونقلت شبكة «سي إن إن» أن اللقاء استمر نحو ثلاث ساعات، فيما أفادت وكالة «رويترز» بأن ويتكوف أبلغ بوتين أن المحادثات اتسمت ب«درجة من الزخم»، وأن مسؤولًا أميركيًا قال إن أوكرانيا قدّمت أفكارًا جديدة.
ولم يُعلن عن اتفاق نهائي في ختام اللقاء، غير أن النتيجة السياسية الأبرز كانت موافقة بوتين على استئناف مفاوضات سلام ثلاثية تضم واشنطن وكييف وموسكو. ونقلت «رويترز» أن الرئيس الروسي وافق على استئناف هذه المحادثات في وقت قريب قد يكون الشهر المقبل، فيما أفادت تقارير نقلتها وسائل أميركية عن مصادر في الكرملين أن الموافقة جاءت «من حيث المبدأ»، مع إشارات إلى إمكان انعقادها بعد منتصف تشرين الثاني/نوفمبر. وتبقى التفاصيل الزمنية والمكانية رهن التنسيق اللاحق بين الأطراف.
وينسجم وصف ويتكوف المناقشات بأنها «بناءة» وستتواصل مع هذه الصيغة الحذرة. فالبناء هنا لا يعني انتهاء الخلاف، بل يشير إلى أن قنوات التواصل لم تُغلق، وأن الجانب الروسي قبل مبدئيًا العودة إلى طاولة تشمل أوكرانيا والولايات المتحدة. وهذا التمييز مهم في قراءة التصريحات الرسمية، لأن جولات سابقة من الوساطة الأميركية انتهت بعبارات إيجابية من دون أن تُحسم الملفات الأشد خلافًا، وفي مقدمتها الأراضي والضمانات الأمنية وترتيب وقف إطلاق النار.
التزام الرئيس الأمريكي ترامب وحدود الوساطة
شدد ويتكوف على أن الرئيس الأمريكي ترامب ملتزم بإنهاء الحرب. ويأتي هذا التأكيد في سياق جعل فيه البيت الأبيض ملف أوكرانيا أحد عناوين دبلوماسيته المباشرة، عبر مبعوث خاص يتنقل بين العواصم ويحمل رسائل إلى موسكو وكييف. وقد سبقت هذه الجولة جولات شارك فيها ويتكوف وجاريد كوشنر، ووصفت مصادر أميركية في مراحل سابقة بعض تلك المباحثات بأنها بنّاءة أيضًا، من دون أن يُنهي ذلك القتال.
وتشير تقارير نشرت قبيل اللقاء إلى أن ويتكوف كان يسعى إلى فتح مسار نحو مفاوضات ثلاثية مباشرة وأوسع. وبعد انتهاء المحادثات، بدا هذا المسار أقرب إلى التحقق من الناحية الروسية، بينما يبقى موقف كييف والشروط التي ستقبل بها أي جولة مقبلة عنصرًا حاسمًا. فالوساطة الأميركية تستند إلى قدرة واشنطن على الحديث مع الطرفين، لكنها لا تملك وحدها مفتاح تسوية تقبلها كييف إذا رأت فيها مساسًا بسيادتها أو بوحدة أراضيها.
عمل مهم لم يُنجز بعد
أضاف ويتكوف أن هناك عملًا مهمًا يتعين القيام به للتوصل إلى تسوية. وهذه العبارة تعكس واقع الملف: فالقبول باستئناف الحديث ليس اتفاقًا على وقف إطلاق نار، ولا خريطة لترتيب الأوضاع الميدانية، ولا صيغة متفقًا عليها لضمانات أمنية لأوكرانيا بعد أي تسوية. وقد نقلت «بي بي سي» عن مسؤول في الكرملين أن بوتين وافق يوم الأربعاء على استئناف مفاوضات ثلاثية مع واشنطن وكييف بشأن إنهاء الحرب. أما «بي بي سي» فنقلت أن المحادثات يجب أن تركز على بناء منظومة أمنية لروسيا وأوكرانيا بعد نهاية النزاع، وهو إطار يعكس أولوية موسكو المعلنة منذ بداية الحرب.
مواقف متباينة وشروط لم تُحسم
تظهر التغطية الإخبارية المتوافرة فجوة واسعة بين الرغبة في مواصلة الحديث وبين الشروط التي يطرحها كل طرف. فقد نقلت «سي بي إس» أن الجانب الروسي يرى أن على أوكرانيا اتخاذ «قرارات ضرورية» لإنهاء الحرب، في صياغة تضع عبء الخطوة التالية على كييف. وفي المقابل، نقلت تقارير عن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن تجميد النزاع يمثل الحد الأدنى المطلوب من روسيا للتوجه نحو إنهاء الحرب. ويعني ذلك أن الطرفين لا يتحدثان بعد عن اللغة نفسها حين يتحدثان عن «التسوية».
وتبقى قضية الأراضي العقبة الأصعب. ففي جولات سابقة من المحادثات، ومنها لقاءات جرت في كانون الأول/ديسمبر 2025، أكدت موسكو عدم التوصل إلى تسوية بشأن الأراضي. ولم تُشر تفاصيل جديدة بعد لقاء سان بطرسبرغ تشير إلى تغير هذا الموقف. كما أن ملف الضمانات الأمنية ظل مطلوبًا بإلحاح من كييف، في وقت ترفض فيه موسكو أي ترتيب تراه ممرًا نحو توسيع حلف شمال الأطلسي أو نحو وجود عسكري غربي دائم على الأراضي الأوكرانية.
خلفية الحرب ومسار الوساطة الأميركية
دخلت الحرب عامها الخامس بعدما بدأت روسيا عمليتها العسكرية الواسعة ضد أوكرانيا في 24 شباط/فبراير 2022، بعد سنوات من التوتر عقب ضم شبه جزيرة القرم عام 2014 والقتال في دونباس. وخلال هذه السنوات تبدلت خرائط السيطرة، وتكبدت مدن وبنى تحتية أوكرانية خسائر بشرية واقتصادية هائلة، واستمر دعم غربي عسكري ومالي لكييف، في مقابل عقوبات متواصلة على موسكو. ولم تنجح جولات تفاوض سابقة، سواء في إطار أوروبي أو عبر وساطة أميركية مباشرة، في إنتاج وقف شامل لإطلاق النار.
ويُعد ويتكوف، رجل الأعمال الذي كلفه الرئيس الأمريكي ترامب بملفات دقيقة، الوجه الأبرز لهذه الوساطة. وقد التقى بوتين في أكثر من مناسبة خلال العامين الماضيين، وزار كييف وعواصم أوروبية، وحاول ترجمة رغبة الرئيس الأمريكي ترامب في إنهاء الحرب إلى مسار تفاوضي قابل للاستمرار. غير أن انتقادات في كييف وبعض العواصم الأوروبية رأت في هذا المسار ميلًا نحو المطالب الروسية، وهو انطباع تعزز كلما تحدث ويتكوف عن «زخم» من دون نشر نص مكتوب يوضح ما تم التفاوض حوله فعلًا.
إفراج عن مواطن أميركي ورسالة سياسية
تزامن اللقاء مع إفراج روسيا عن المواطن الأميركي ستيفن هابارد، وفق ما أفادت به «رويترز» ووسائل أميركية أخرى. والتقى ويتكوف هابارد في سان بطرسبرغ بعد الإفراج عنه. ويحمل هذا التطور دلالة مزدوجة: فهو من جهة نتيجة إنسانية ملموسة للجانب الأميركي، ومن جهة أخرى إشارة روسية إلى استعداد لتقديم خطوة يمكن للرئيس الأمريكي ترامب عرضها بوصفها تقدمًا، من دون أن تمس جوهر النزاع مع أوكرانيا. وقد استخدمت موسكو في مناسبات سابقة ملفات المعتقلين الأجانب أداة تفاوض، من دون أن يعني ذلك بالضرورة تراجعًا عن مطالبها العسكرية.
ماذا يعني استئناف المفاوضات الثلاثية؟
إذا انعقدت المفاوضات الثلاثية فعلًا خلال تشرين الثاني/نوفمبر، فستكون أول إطار من هذا النوع يُستأنف بعد فترة من الجمود. وتكمن أهمية هذا الإطار في أنه ينقل النقاش من رسائل تُنقل عبر وسيط أميركي إلى مواجهة مباشرة بين مطالب موسكو وكييف، بحضور واشنطن. غير أن نجاح هذه الصيغة يتوقف على ثلاثة شروط لم تتوفر بعد: تحديد جدول أعمال لا يُعيد خلافات معروفة فقط، ووجود تفويض حقيقي للوفود، واستعداد لربط أي تقدم سياسي بخفض ملموس لوطأة القتال.
ومن دون هذه العناصر، قد تتحول الجولة المقبلة إلى مناسبة لتثبيت المواقف لا إلى تضييق الفجوة. فروسيا تريد ترتيبًا يثبت مكاسبها الميدانية ويقيد حركة أوكرانيا نحو التحالفات الغربية، بينما تريد كييف وقفًا للقتال لا يتحول إلى تنازل دائم عن السيادة، وضمانات تمنع تجدد الهجوم. أما واشنطن فتبحث عن نتيجة يمكن للرئيس الأمريكي ترامب تقديمها بوصفها إنهاءً للحرب، من دون أن تتحمل الولايات المتحدة كلفة ضمان أمني مفتوح أو تواجه انهيارًا سريعًا للمسار.
السياق الأوروبي وحسابات الأمن
لا تقتصر تداعيات أي تسوية على موسكو وكييف وواشنطن. فدول الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي تحملت جزءًا كبيرًا من كلفة دعم أوكرانيا، وترى في نتيجة الحرب اختبارًا لأمن الجناح الشرقي من القارة. وقد ظهرت في الأشهر الماضية مبادرات أوروبية لدعم كييف وللبحث في ضمانات أمنية، في وقت أعربت فيه عواصم أوروبية عن قلقها من أن تُنتج وساطة أميركية منفردة ترتيبًا لا يراعي مصالحها الأمنية. ولم تُشر بعد لقاء بوتين وويتكوف تفاصيل عن دور أوروبي محدد في الجولة المقبلة، ما يبقي هذا الملف مفتوحًا.
كما أن استمرار العمليات العسكرية يضع سقفًا لأي تفاؤل دبلوماسي. فالخبراء المتوفرة لا تشير إلى وقف للقتال تزامنًا مع المحادثات، وهذا نمط تكرر في الحرب: تحدث سياسي في العواصم، وضغط عسكري على الأرض لتحسين الموقف التفاوضي. ومن دون هدنة قابلة للتحقق، سيظل أي اتفاق محتمل عرضة للانهيار قبل أن يبدأ تنفيذه.
قراءة حذرة للمرحلة المقبلة
يمكن تلخيص ما هو مؤكد حتى الآن في ثلاث نقاط. الأولى أن ويتكوف وصف مناقشاته مع بوتين بأنها بناءة وقال إنها ستتواصل. والثانية أنه أكد التزام الرئيس الأمريكي ترامب بإنهاء الحرب، مع الإقرار بأن العمل المتبقي للتوصل إلى تسوية ما زال كبيرًا. والثالثة أن موسكو قبلت مبدئيًا العودة إلى مفاوضات ثلاثية بوساطة أميركية، وفق رويترز وأسوشييتد برس وبي بي إس وشبكة سي إن إن، من دون إعلان موعد نهائي أو مسودة متفق عليها.
أما ما لم يتأكد فهو أهم من الناحية السياسية: لا اتفاق على وقف إطلاق النار، ولا تفاهم معلن بشأن الحدود، ولا ضمانات أمنية مكتوبة، ولا موقف أوكراني نهائي من الجولة المقبلة. ولذلك فإن قيمة تصريح ويتكوف تكمن في كونه يحافظ على المسار مفتوحًا، لا في كونه يعلن نهاية للحرب. وستتضح الأسابيع المقبلة ما إذا كان هذا الانفتاح قادرًا على تحويل «الزخم» الذي حدثت عنه واشنطن إلى تنازلات متقابلة، أم أنه سيظل إطارًا إضافيًا لإدارة نزاع لم تتغير معادلاته العسكرية والسياسية بعد.