وزير خارجية لبنان: قضية شاحنة المتفجرات تهدد أمن الدولة ويجب إحالتها إلى المجلس العدلي | سياسة | شبكة نفود الإخبارية
عاجل
سياسة
وزير خارجية لبنان: قضية شاحنة المتفجرات تهدد أمن الدولة ويجب إحالتها إلى المجلس العدلي
✍️ ريهام العبدلي
شارك:
✍️ ريهام العبدلي
أكد وزير الخارجية والمغتربين اللبناني يوسف رجي أن قضية شاحنة المتفجرات التي ضُبطت على طريق ضهر البيدر تهدد أمن الدولة، ودعا إلى إحالتها إلى المجلس العدلي. ويأتي هذا الموقف في وقت تشهد فيه الساحة السياسية والقضائية اللبنانية جدلًا مفتوحًا حول المرجع القضائي المناسب لملف ضبط مواد متفجرة بكميات كبيرة، وفي ظل مساعٍ سياسية متعارضة لمسار الإحالة إلى هيئة قضائية استثنائية.
## خلفية القضية: ضبط الشحنة على طريق ضهر البيدر
تعود وقائع الملف إلى الخامس من تشرين الأول (أكتوبر)، حين ضبطت قوى الأمن الداخلي مركبة محملة بمواد متفجرة عند حاجز ضهر البيدر، على الطريق الرابط بين منطقة البقاع والعاصمة بيروت. ووفق ما نقلته وكالة الأنباء التركية عن التطورات، أوقفت الأجهزة المعنية شخصين كانا على متن المركبة، وفي ما بعد توسعت دائرة التحقيقات لتشمل أسماء أخرى مرتبطة بالملف.
وأفادت مصادر إعلامية لبنانية وعربية بأن كمية المواد المضبوطة تجاوز خمسمئة كيلوغرام من المتفجرات، وأن الموقوفين منتسبان إلى حزب الله. كما أشارت تقارير لاحقة إلى أن التحقيقات شملت نجل مسؤول في الحزب نفسه، وفق مصدر قضائي لبناني. ولم تصدر حتى الآن نتائج نهائية من الجهات الرسمية تحدد المسار الكامل للشحنة أو جهة استخدامها المفترضة، غير أن حجم الكمية وطبيعة المادة جعلا الملف يتجاوز إطار المخالفة الجزائية العادية.
ويُعد ضهر البيدر ممرًا جبليًا حيويًا يصل البقاع ببيروت، ويشكل نقطة رقابة أمنية متكررة لحركة المركبات بين الداخل والساحل. ولذلك اكتسب ضبط الشحنة في هذا الموقع دلالة مضاعفة، لأنه يطرح أسئلة عن مدى قدرة الأجهزة الرسمية على منع نقل مواد خطرة خارج إطار الدولة، وعن جهة المقصد النهائية للشحنة لو تجاوزت الحاجز.
## موقف وزير الخارجية: الملف يمس أمن الدولة
في هذا السياق، جاء موقف وزير الخارجية يوسف رجي ليضع الملف في خانة الأمن القومي لا في خانة المخالفة الجزائية فحسب. والتكييد على أن القضية تهدد أمن الدولة يعني، في المنطق السياسي اللبناني، أن نقل كميات من المتفجرات خارج إطار المؤسسات الرسمية لا يُعامل بوصفه مخالفة عادية، بل بوصفه مسًا باحتكار الدولة للقوة وللسيادة.
والدعوة إلى إحالة الملف إلى المجلس العدلي ليست تفصيلًا إجرائيًا فحسب. فالمجلس العدلي هيئة قضائية استثنائية يُحال إليها، بقرار من مجلس الوزراء، ما يُعد جريمة ماسة بأمن الدولة أو بالسلم الأهلي. والإحالة تعني أن الحكومة ترى أن القضاء العادي قد لا يكفي لمعالجة جريمة بهذا الحجم، وأن الملف يحتاج إلى مسار يجمع بين التحقيق القضائي والحسم السياسي.
وينسجم موقف رجي مع خطابه العلني المتكرر بشأن حصر السلاح بيد الدولة ومنع استخدامه خارج إطارها. فالوزير، المنتمي إلى تيار يرفض وجود سلاح غير شرعي، يرى في نقل المتفجرات بعيدًا عن رقابة الجيش والأجهزة الرسمية امتدادًا لمنطق لا يتسق مع قرارات الحكومة المتعلقة بالسيادة وبحصر السلاح. ومن هذا المنظور، لا تُقرأ الدعوة إلى المجلس العدلي بوصفها مطلبًا قضائيًا معزولًا، بل بوصفها جزءًا من معركة أوسع حول من يملك حق استخدام العنف المسلح على الأرض اللبنانية.
## موقف وزير العدل والجدل داخل الحكومة
لم يكن موقف رجي معزولًا داخل المؤسسة. فوزير العدل عادل نصار ربط علنًا بين قضية شحنة المتفجرات المضبوطة عند حاجز ضهر البيدر وبين الأمن القومي، ورأى أن وجهة استخدام المتفجرات لأعمال أمنية أو مرتبطة بالقيام بأعمال حربية خارج إطار الدولة اللبنانية تشكل مسًا بالأمن. وأفادت مصادر وزارية لقناة الجديد بأن نصار يتجه إلى طرح إحالة القضية إلى المجلس العدلي، بدعم من وزراء القوات اللبنانية والكتائب.
غير أن هذا المسار لم يُحسم داخل مجلس الوزراء. فوزير الإعلام بول مرقص أوضح أن الحكومة لم تصدر قرارًا بعد بإحالة قضية شاحنة المتفجرات في ضهر البيدر إلى المجلس العدلي. وهذا التوضيح مهم، لأنه يفصل بين الرغبة السياسية لدى وزراء معينين وبين القرار الحكومي الملزم. فالإحالة إلى المجلس العدلي لا تتم بقرار وزير منفرد، بل تحتاج إلى موافقة مجلس الوزراء، وهو ما يفسر حدة الخلاف حولها.
وفي المقابل، أفادت معلومات قناة الجديد بوجود اتصالات مكثفة ومساعٍ سياسية لعدم إحالة القضية إلى المجلس العدلي. كما نقلت قناة الحدث عن مصادر لبنانية أن هناك استنفارًا داخل حزب الله مع توسع التحقيقات، وأن وجهات رسمية تدفع نحو التريث قبل إحالة الملف. وهذا الانقسام يعكس طبيعة النظام السياسي اللبناني، حيث تتقاطع الملفات القضائية الكبرى مع التوازنات الحكومية والحسابات الطائفية والتحالفات الداخلية.
## موقف رئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية
على مستوى رئاسة الحكومة، أكد رئيس مجلس الوزراء نواف سلام أنه لا تهاون ولا تغاضٍ في قضية توقيف شاحنة محملة بمواد متفجرة كانت متجهة من البقاع إلى منطقة بيروت. وهذا الموقف، الذي نقلته منصات إخبارية لبنانية، يضع سقفًا سياسيًا للملف، بمعنى أن رئاسة الحكومة لا ترى في الحادثة مجرد ضبط أمني روتيني، بل ملفًا لا يجوز طيه أو تأجيله.
وعلى مستوى رئاسة الجمهورية، أوردت صحيفة الأخبار أن الرئيس جوزيف عون طلب من مخابرات الجيش اللبناني التوسع في التحقيقات بشأن قضية شاحنة المتفجرات. وهذا الطلب، إن ثبت، يعني أن الملف لم يُغلق عند حد الموقوفين الأولين، وأن التحقيق العسكري مطلوب لفهم شبكة النقل والتخزين والوجهة. كما نقلت صحيفة الشرق الأوسط أن المشهد السياسي يتصدره طلب إدراج ضبط المتفجرات على طريق ضهر البيدر على جدول أعمال مجلس الوزراء، برئاسة رئيس الجمهورية، تمهيدًا لإحالته على المرجع القضائي المناسب.
## لماذا يُعد الملف اختبارًا للدولة؟
تكتسب قضية شاحنة المتفجرات أهميتها من ثلاثة عناصر مترابطة. العنصر الأول هو حجم الكمية. فخمسمئة كيلوغرام من المتفجرات، إن تأكدت هذه التقديرات في التحقيق الرسمي، ليست كمية يُمكن تفسيرها بالاستخدام الفردي أو المحلي. وهي كمية تفترض وجود شبكة تخزين ونقل وحماية، وتطرح سؤال الوجهة: هل كانت الشحنة معدة للتخزين، أم للاستخدام في عملية داخل لبنان، أم للنقل إلى خارجه؟
العنصر الثاني هو الهوية السياسية للموقوفين. فالاتهامات المتداولة بانتمائهم إلى حزب الله تجعل الملف يتقاطع مع الجدل القائم حول السلاح غير الشرعي. والحزب، الذي يملك ترسانة عسكرية مستقلة عن الدولة، يرفض تفكيك هذه الترسانة في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب. أما الحكومة، فترى أن استمرار هذا الوضع يعرض لبنان لمزيد من الضغوط الخارجية ويعيق إعادة بناء الدولة.
العنصر الثالث هو الذاكرة السياسية للمتفجرات في لبنان. فالبلاد تحمل إرث انفجار مرفأ بيروت عام ألفين وعشرين، الذي قتل أكثر من مئتي شخص ودمر أحياء واسعة من العاصمة، وما زال تحقيقه معلقًا بعد سنوات من العرقلة. كما أن سلسلة الاغتيالات السياسية التي نُفذت بواسطة سيارات وشاحنات مفخخة، ومنها اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري عام ألفين وخمسة، ما زالت حاضرة في الوعي العام. ولذلك لا يُقرأ ضبط شحنة متفجرات في ضهر البيدر بوصفه حادثة معزولة، بل بوصفه استدعاءً لماضٍ لم يُغلق.
## المجلس العدلي: سلاح قضائي استثنائي
المجلس العدلي ليس محكمة عادية. فهو هيئة تُشكل عند ما يقرر مجلس الوزراء أن جريمة معينة تمس أمن الدولة، ويكون لها صلاحية استثنائية في التحقيق والمحاكمة. وفي التجربة اللبنانية، استُخدم المجلس العدلي في ملفات اغتيالات سياسية كبرى، منها ملف اغتيال الحريري، وكانت نتائجه محل جدل سياسي مستمر.
ولذلك فإن الدعوة إلى إحالة ملف ضهر البيدر إلى هذه الهيئة تحمل دلالة مزدوجة. فمن يؤيدها يرى فيها الطريق الوحيد لضمان ألا يُطوى الملف بفعل الضغوط السياسية، ولإرسال رسالة بأن الدولة لن تتساهل مع نقل المتفجرات. ومن يعارضها يحذر من تسييس القضاء، ويرى أن الإحالة قد تُستخدم لتصفية حسابات سياسية لا لإحقاق العدالة. وهذا الانقسام هو ما يفسر الاتصالات المكثفة التي تحدثت عنها قناة الجديد، والتريث الذي تدفع به بعض الوجهات الرسمية.
## الأبعاد الإقليمية والدولية
لا ينفصل الملف عن البيئة الإقليمية. فلبنان ما زال يتعرض لغارات إسرائيلية متكررة على الجنوب، رغم توقف الحرب الواسعة، والحكومة تواجه ضغوطًا دولية لتنفيذ قرار حصر السلاح وبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي. وفي هذا الإطار، يُقرأ ضبط شحنة متفجرات منتسبة إلى حزب الله بوصفه اختبارًا لمدى جدية الدولة في تطبيق قراراتها على الجميع.
وقد ربط وزير العدل بين الملف وبين السلاح غير الشرعي والمواقف التي تبرر اللجوء إلى المجلس العدلي. وهذا الربط يعني أن الحكومة لا تفصل بين ملف أمني محدد وبين السياسة العامة للسلاح. فمن ينقل متفجرات بهذا الحجم، في قراءة وزراء العدل والخارجية، لا يمارس نشاطًا أمنيًا محليًا، بل يُبقي على بنية موازية للدولة.
ومن الناحية الدولية، يأتي الملف في وقت تسعى فيه بيروت إلى ترميم علاقاتها مع عواصم عربية وغربية، وإلى الحصول على دعم للجيش وللمؤسسات الأمنية. وأي انطباع بأن الدولة عاجزة عن محاسبة من ينقل متفجرات داخل أراضيها يضعف هذه المساعي. وفي المقابل، فإن التسرع في الإحالة السياسية من دون بناء ملف قضائي متين قد يُعيد إنتاج الأزمات التي شهدها لبنان في ملفات سابقة، حين تحول القضاء إلى ساحة صراع سياسي.
## ما الذي يعنيه المسار القادم؟
المسار القانوني واضح من حيث الشكل: التحقيق مستمر، والإحالة إلى المجلس العدلي تحتاج قرارًا من مجلس الوزراء، وهذا القرار لم يصدر بعد. أما المسار السياسي فأكثر تعقيدًا. فوزراء العدل والخارجية يدفعون نحو الإحالة، ورئاسة الحكومة ترفض التهاون، ورئاسة الجمهورية طلبت، وفق ما نُشر، توسيع التحقيقات، فيما تعمل وجهات أخرى على إبقاء الملف في القضاء العادي أو على تأجيل الحسم.
والسؤال الذي سيحدد المرحلة المقبلة هو ما إذا كانت الحكومة ستتوصل إلى توافق يسمح بالإحالة، أم ستبقى القضية في دائرة التحقيق العادي مع ما يعنيه ذلك من احتمال التأجيل. كما سيكون من المهم معرفة ما إذا كانت نتائج التحقيق ستُعلن بشكل كامل، أم ستبقى أجزاء منها طي الكتمان، كما حدث في ملفات أمنية سابقة.
وفي الانتظار، يبقى موقف وزير الخارجية يوسف رجي علامة سياسية واضحة: القضية، في قراءته، ليست ملف ضبط عابر، بل اختبارًا لقدرة الدولة على حماية أمنها وعلى محاسبة من يمس به. وسواء أُحيل الملف إلى المجلس العدلي أم بقي في القضاء العادي، فإن طريقة إدارته ستكون مؤشرًا على مدى استعداد السلطة لتحمل كلفة فرض احتكارها للعنف المسلح، في بلد ما زال يبحث عن توازن بين السيادة والاستقرار الداخلي والضغوط الإقليمية.