اجتماع مرتقب في طهران يضم خالد بن سلمان وعاصم منير وإبراهيم قالن لبحث التنسيق الإقليمي

نقلت وكالة رويترز عن مصادر مطلعة أن اجتماعًا مرتقبًا يُعقد اليوم الاثنين في العاصمة الإيرانية طهران، يضم وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، وقائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، ورئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن، إلى جانب مسؤولين إيرانيين، لبحث سبل التنسيق الإقليمي. ويأتي هذا اللقاء، وفق ما أفادت به المصادر التي نقلت عنها الوكالة، في وقت تتزايد فيه حاجة عواصم المنطقة إلى قنوات تواصل مباشرة تقلل مخاطر سوء التقدير وتضع أطرًا للتعامل مع ملفات أمنية متداخلة تمتد من الخليج إلى جنوب آسيا ومن الشام إلى الأناضول.
طبيعة اللقاء والأطراف المشاركة
يجمع الاجتماع، بحسب المعلومات المتاحة، مسؤولين يتولون ملفات الدفاع والجيش والاستخبارات في ثلاث دول محورية، مع نظرائهم الإيرانيين. ويؤشر هذا التركيب إلى أن النقاش ليس اقتصاديًا أو بروتوكوليًا عامًا، بل يتصل بالتنسيق الأمني والإقليمي بمعناه العملي: تبادل تقديرات، ومراجعة نقاط الاحتكاك، وبحث إمكان خفض التوتر عبر قنوات مؤسسية لا علنية فحسب.
ويحمل الأمير خالد بن سلمان، وزير الدفاع السعودي، ملف العلاقات الدفاعية للمملكة، وهي علاقات تشمل أمن الخليج، والملاحة البحرية، والتعاون العسكري مع الشركاء، ومتابعة التهديدات العابرة للحدود. أما المشير عاصم منير فهو قائد الجيش الباكستاني، وهو المنصب الأعلى في الهيكل العسكري الباكستاني، ويتولى ملفات تتصل بأمن الحدود الغربية وبالاستقرار الداخلي وبالعلاقات العسكرية الخارجية. ويرأس إبراهيم قالن جهاز الاستخبارات الوطني التركي، وهو موقع يجعله في قلب الملفات الحساسة المتصلة بالأمن الحدودي وبالتنسيق مع الأطراف الإقليمية في ملفات سوريا والعراق ومكافحة الإرهاب.
ولم تكشف المصادر التي نقلت عنها رويترز جدول أعمال مفصلًا، ولا أسماء المسؤولين الإيرانيين المشاركين، ولا ما إذا كان اللقاء سيُختتم ببيان مشترك. وهذا الغموض مألوف في اجتماعات من هذا النوع، حيث تُفضل الأطراف الإبقاء على هامش مناورة قبل أن تتبلور أي تفاهم. كما أن عدم صدور تأكيد رسمي فوري من العواصم الأربع لا ينفي وقوع اللقاء، لكنه يفرض التحفظ في وصف نتائجه إلى أن تصدر بيانات أو تصريحات موثقة.
لماذا الآن؟ سياق إقليمي مضغوط
يندرج اللقاء المرتقب ضمن مسار أوسع من التواصل الإقليمي الذي شهدته السنوات الأخيرة بين الرياض وطهران، وبين أنقرة وإسلام آباد، وبين إسلام آباد وطهران. فبعد سنوات من القطيعة الدبلوماسية بين المملكة وإيران، أعيد فتح قنوات الحوار المباشر برعاية صينية عام 2023، وأعيد تشغيل البعثات، وتواصل المسؤولون الأمنيون في ملفات اليمن والملاحة والتهدئة. لم يُنهِ هذا المسار الخلافات العميقة، لكنه أنشأ آلية لإدارة الخلاف بدلًا من تركه عرضة للتصعيد المفاجئ.
وفي المقابل، تحتفظ تركيا بعلاقة معقدة مع إيران: تنافس في سوريا والعراق والقوقاز، وتعاون انتقائي في ملفات الحدود والتجارة والطاقة. ويُعد جهاز الاستخبارات التركي أحد أهم قنوات هذه العلاقة، لأنه يتولى ملفات لا تُدار دائمًا عبر وزارة الخارجية وحدها. أما باكستان فتشارك إيران حدودًا طويلة في بلوتشستان، وترتبط بها بمشاريع طاقة وممرات تجارية، وتنظر إلى استقرار الجار الغربي بوصفه شرطًا لأمن حدودها ولمشاريعها مع الصين في إطار ممر الاقتصاد.
وتزداد أهمية هذا التنسيق في ظل تداعيات الحرب في غزة ولبنان، واستمرار التوتر في البحر الأحمر ومضيق هرمز، وتعثر مسارات التسوية السياسية في اليمن وسوريا والعراق. كل واحدة من هذه الساحات تمس مصالح دولة واحدة على الأقل من الدول الأربع. ومن دون قناة تنسيق، قد يتحول حادث محلي إلى أزمة إقليمية تتسع بسرعة، كما حدث مرارًا خلال العقد الماضي.
المملكة ومقاربة التصعيد
تنطلق السياسة السعودية الخارجية في السنوات الأخيرة من أولوية واضحة: حماية أمن المملكة واستقرار الخليج، وتأمين ممرات الطاقة والتجارة، وخفض احتمال انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة تعطل مشاريع التنمية. وقد انعكس هذا التوجه في اتفاق العلا مع إيران، وفي الدور السعودي في ملف اليمن، وفي التنسيق مع الشركاء الدوليين لمنع توسع الحرب في المشرق.
ويُنظر إلى مشاركة وزير الدفاع السعودي في اجتماع طهران بوصفها امتدادًا لهذه المقاربة، لا بوصفها تحولًا في التحالفات. فالرياض تحتفظ بشراكات دفاعية وثيقة مع الولايات المتحدة ودول غربية وآسيوية، وفي الوقت نفسه تفتح قناة مباشرة مع طهران لإدارة الخلاف. هذا التوازن هو ما تصفه الدبلوماسية السعودية بأنه خفض للتوتر من دون التفريط في متطلبات الأمن الوطني.
ومن المرجح أن تشمل أولويات الوفد السعودي، إن جرى اللقاء وفق ما نقلته المصادر، ملفات أمن الممرات المائية، ووضع اليمن، ومخاطر انتقال التوتر من لبنان والعراق إلى الخليج، وضمان عدم استخدام أراضي المملكة في أي مواجهة إقليمية. هذه القضايا لا تتطلب بالضرورة اتفاقًا مكتوبًا، بل تفاهمًا عمليًا على قواعد الاشتباك وقنوات الإبلاغ السريع عند وقوع حادث.
باكستان: الحدود والطاقة والتوازن الإقليمي
تحتل باكستان موقعًا مختلفًا عن المملكة وتركيا في هذا اللقاء. فهي جارة مباشرة لإيران، وترتبط بها بعلاقة تاريخية طويلة، وتشاركها القلق من أن يتحول الحدود المشترك إلى ساحة لتهريب السلاح أو لنشاط جماعات مسلحة. وفي الوقت نفسه، تعد إيران شريكًا محتملًا في مجال الطاقة، وقد باحث البلدان على مدى سنوات مشاريع لنقل الغاز والكهرباء وتطوير الموانئ.
ويأتي وجود قائد الجيش الباكستاني في طهران، إن تأكد، في وقت تواجه فيه إسلام آباد ضغوطًا أمنية واقتصادية متعددة، من بينها العلاقة مع أفغانستان والهند والملف النووي والحاجة إلى تمويل خارجي. والجيش الباكستاني هو المؤسسة الأكثر تأثيرًا في رسم السياسة الأمنية الخارجية، ومشاركته المباشرة تعني أن النقاش لن يكون شكليًا. كما أن العلاقة السعودية الباكستانية شهدت تطورًا ملحوظًا في مجالات الاستثمار والدفاع والتنسيق السياسي، ما يجعل اللقاء المشترك مع الجانب الإيراني ذا دلالة للرياض كما هو ذو دلالة لإسلام آباد.
تركيا وقناة الاستخبارات
يمثل حضور إبراهيم قالن بعدًا مختلفًا من الحضور السعودي والباكستاني. فرئيس جهاز الاستخبارات الوطني التركي ليس وزير خارجية، ومشاركته تعني أن جزءًا من النقاش سيتصل بالمعلومات وبالتهديدات غير العلنية وبإدارة المخاطر الميدانية. وهذا النوع من اللقاءات هو الذي تُدار فيه عادةً ملفات الجماعات المسلحة، وحركة المقاتلين عبر الحدود، ووضع القواعد في سوريا والعراق، ومخاطر استهداف البنى التحتية المدنية والعسكرية.
وتسعى أنقرة، منذ سنوات، إلى توسيع نفوذها الدبلوماسي في الخليج والقرن الأفريقي وآسيا الوسطى، مع الحفاظ على دورها في حلف شمال الأطلسي. ويتطلب هذا الدور المزدوج قنوات مفتوحة مع طهران حتى لا تتحول الخلافات الميدانية إلى أزمة تضر بالمصالح التركية الاقتصادية والأمنية. ومن هنا يمكن فهم مشاركة قالن بوصفها أداة لإدارة هذا التوازن، لا بوصفها إعلانًا عن تحالف جديد.
ما الذي يمكن أن ينتجه الاجتماع؟
من المبكر توقع بيان ختامي مفصل أو اتفاق علني واسع. فاجتماعات التنسيق الأمني من هذا المستوى تُقاس عادةً بما إذا أنشأت قناة مستمرة، لا بما إذا صدر عنها بلاغ. والنتيجة الأكثر واقعية هي اتفاق على آلية تواصل، ومراجعة دورية للملفات الساخنة، وربما تفاهم على خطوات لخفض التصعيد في ساحة محددة.
ويمكن أن تشمل هذه الساحات، من دون الجزم بما لم تؤكده المصادر، أمن الملاحة في الخليج ومضيق هرمز، ووضع الحدود الباكستانية الإيرانية، والملف السوري والعراقي، ومخاطر انتقال المواجهة من لبنان إلى جبهات أخرى. كما يمكن أن يُبحث وضع الممرات التجارية والطاقة بوصفها جزءًا من الاستقرار الإقليمي، لا بوصفها ملفًا اقتصاديًا منفصلًا. فالاضطراب في إمدادات الطاقة أو في الموانئ ينعكس سريعًا على الأسواق وعلى حسابات الدول.
ويظل السؤال الأهم هو ما إذا كان هذا اللقاء حلقة واحدة أم بداية مسار. فإذا اكتفى الأطراف بجلسة واحدة، فسيكون الأثر محدودًا في خفض سوء التفاهم. أما إذا تبلورت آلية متابعة، فقد يشكل ذلك إضافة نوعية إلى دبلوماسية المنطقة، لأنه يجمع لأول مرة بهذا التركيب المعلن أطرافًا لا تجتمع عادةً حول طاولة واحدة.
حدود التوقعات
لا يعني انعقاد الاجتماع انتهاء الخلافات. فالمواقف من البرنامج النووي الإيراني، ومن دور الجماعات المسلحة المرتبطة بطهران في المنطقة، ومن شكل التسويات في اليمن وسوريا ولبنان، ما زالت متباعدة. كما أن العلاقات مع واشنطن ومع شركاء آخرين تفرض سقفًا على ما يمكن لكل طرف أن يقدمه. والرئيس الأمريكي ترامب يتابع هذه الملفات من منظور ضغط أقصى على طهران في الملف النووي والإقليمي، ما يعني أن أي تنسيق إقليمي سيُقرأ في واشنطن بعناية، حتى إذا لم يكن الجانب الأمريكي طرفًا فيه.
ومع ذلك، فإن قيمة اللقاء لا تُقاس فقط بما يُنجزه فورًا. ففي منطقة تعاني من نقص ثقة مزمن، قد يكون الجلوس نفسه رسالة. والرسالة هنا هي أن الرياض وأنقرة وإسلام آباد تفضل إدارة الخلاف مع طهران على تركه يتفاقم، وأن طهران تجد مصلحة في فتح قناة مع هذه العواصم في وقت تتعرض فيه لضغوط خارجية متزايدة. هذا لا يلغي التنافس، لكنه يضع له سقفًا.
ما الذي ينبغي متابعته
سيتضح خلال الساعات والأيام المقبلة ما إذا صدرت تأكيدات رسمية من العواصم الأربع، وما إذا كشفت عن أسماء المشاركين الإيرانيين وعن مدة اللقاء ومكانه الدقيق. كما سيكون مهمًا معرفة ما إذا اقترن اللقاء بزيارات ثنائية، أو باتفاق على لقاء لاحق، أو بإشارات ميدانية في اليمن أو سوريا أو لبنان أو على الحدود الباكستانية الإيرانية. فالتنسيق الحقيقي يظهر في السلوك لا في البيانات فحسب.
وإلى أن تصدر هذه التفاصيل، يبقى الثابت هو ما نقلته رويترز عن مصادرها: اجتماع مرتقب اليوم الاثنين في طهران، يضم وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، وقائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، ورئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن، مع مسؤولين إيرانيين، لبحث التنسيق الإقليمي. وهذا وحده كافٍ ليجعل اليوم محطة يُراقب مسارها في العواصم الأربع، لأن نتيجته، سواء أعلنت أم ظلت في الكواليس، ستؤثر في طريقة إدارة أخطر ملفات المنطقة خلال المرحلة المقبلة.