تحالف دعم الشرعية: تدمير منصتين لإطلاق الصواريخ الباليستية في صنعاء

أعلن متحدث قوات تحالف دعم الشرعية في اليمن، اللواء الركن تركي المالكي، تدمير منصتين لإطلاق الصواريخ الباليستية في صنعاء، مؤكدًا أن إحدى المنصتين استُخدمت في إطلاق صاروخ باليستي استهدف الرياض. وأوضح المتحدث أن العمليات مستمرة لتفكيك شبكة الصواريخ الباليستية التابعة لما وصفها بالميليشيا الحوثية الإرهابية. ويأتي البيان في سياق تراكم التهديدات عبر الحدود، ويعكس موقف التحالف القائل بأن استهداف المدن والمنشآت المدنية لن يمر من دون رد يستهدف مناصات الإطلاق وشبكة التسليح نفسها.
تفاصيل البيان العسكري
حسب نص البيان المنسوب إلى المتحدث الرسمي، نفّذت قوات التحالف عملية استهدفت منصتين مخصصتين لإطلاق الصواريخ الباليستية داخل صنعاء. ولم يتضمن البيان المتاح تفاصيل إضافية عن نوع الذخيرة المستخدمة أو توقيت الغارة بالدقيقة أو حصيلة بشرية، غير أنه حدد الهدف بوضوح: منصتا إطلاق، لا مواقع مدنية عامة. وهذا التحديد مهم في قراءة الرسالة العسكرية، لأن التحالف يقدّم العملية بوصفها إجراءًا موجهًا ضد قدرة إطلاق، لا ضد حيّ سكني أو منشأة خدمية.
وأشار المالكي إلى أن إحدى المنصتين استُخدمت فعليًا في إطلاق الصاروخ الباليستي الذي استهدف الرياض. وبهذا الربط، ينقل البيان العملية من خانة الإعلان العام إلى خانة الرد المباشر على وسيلة هجوم محددة. وهذا النوع من الصياغة يستخدمه المتحدثون العسكريون عادةً لإظهار أن الاستهداف ليس عشوائيًا، بل مرتبطًا بوسيلة سبق أن استُخدمت في هجوم على العاصمة السعودية. ولم يرد في النص المتاح ما إذا كان الصاروخ المشار إليه قد اعتُرض أو سقط داخل نطاق مأهول، ولذلك يقتصر التقرير الصحفي هنا على ما ورد في البيان دون إضافة نتائج لم يُعلن عنها.
دلالة استهداف منصات الإطلاق
تُعد منصات إطلاق الصواريخ الباليستية حلقة محورية في أي شبكة هجوم بعيدة المدى. فالصاروخ وحده لا يكفي لتنفيذ هجوم؛ بل يحتاج إلى منصة قادرة على حمله وتوجيهه وإطلاقه، وإلى طواقم يتولى التجهيز والإخفاء والنقل. وعندما يعلن تحالف عسكري تدمير منصة، فإن الرسالة المقصودة هي تقليص القدرة على تكرار الهجوم، لا مجرد الإعلان عن إصابة صاروخ واحد. وفي حالة صنعاء، يكتسب هذا النوع من الأهداف أهمية مضاعفة، لأن العاصمة اليمنية ظلت لسنوات مركز ثقل سياسيًا وعسكريًا للجماعة الحوثية، ومن هنا تُدار كثير من عمليات التخزين والتجهيز والإطلاق.
ويشير استخدام عبارة «تفكيك شبكة الصواريخ الباليستية» إلى أن التحالف لا يقدّم العملية بوصفها حدثًا منفصلًا، بل حلقة في مسار متواصل. وكلمة «شبكة» تعني، في اللغة العسكرية، مجموعة مترابطة من المنصات والمخازن ووسائل النقل والأفراد القادرين على التشغيل. وتفكيك هذه الشبكة يتطلب، بحسب منطق البيان، عمليات متكررة لا ضربة واحدة. وهذا ما يفسر جملة «مستمرون» التي اختتم بها المتحدث بيانه؛ فهي رسالة ردع بقدر ما هي إعلان عن نتيجة.
الربط باستهداف الرياض
يمثل ذكر الرياض في البيان عنصرًا سياسيًا وعسكريًا في آن واحد. فالعاصمة السعودية ليست مجرد مدينة كبيرة، بل مركز قرار سياسي واقتصادي ورمز سيادة. وأي محاولة لاستهدافها بصاروخ باليستي تُقرأ، من منظور الدولة المستهدفة، بوصفها تصعيدًا يمس الأمن القومي مباشرة. ولذلك جاء رد التحالف، وفق البيان، مركّزًا على المنصة التي قال إنها استُخدمت في ذلك الإطلاق، إلى جانب منصة ثانية في الموقع نفسه. وهذا الجمع بين هدفين في عملية واحدة يوحي بأن المعلومات المتاحة لدى التحالف، بحسب روايته، لم تقتصر على تتبع منصة واحدة بعد الاستخدام، بل شملت منصة أخرى في النطاق ذاته.
خلفية النزاع ودور التحالف
يندرج هذا البيان ضمن مسار طويل من المواجهة العسكرية في اليمن. فقد شكّلت المملكة العربية السعودية، في آذار مارس عام 2015، تحالفًا عربيًا لدعم الشرعية في اليمن، بعد سيطرة الجماعة الحوثية على صنعاء وتوسع نفوذها العسكري، وفي ظل طلب السلطة اليمنية المعترف بها دوليًا الدعم لاستعادة مؤسسات الدولة. ومنذ ذلك الحين، تنوعت أدوات المواجهة بين عمليات جوية ودعم للقوات الحكومية وإجراءات لحماية الحدود والمدن السعودية من الهجمات بالصواريخ والمسيّرات.
وظل ملف الصواريخ الباليستية من أبرز عناوين هذا المسار. فالجماعة الحوثية عملت، على مدى سنوات، على تطوير قدرات إطلاق تستهدف أراضيًا سعودية وأهدافًا في دول أخرى بالمنطقة، في ما ترد الدول المستهدفة باعتبار هذه الهجمات انتهاكًا لسيادتها وتهديدًا لمدنييها ومنشآتها. وفي المقابل، تُثير انتقادات دولية متكررة للتداعيات الإنسانية للنزاع في اليمن، بما في ذلك أثر العمليات العسكرية على المدنيين والبنى التحتية. وهذا التوتر بين متطلبات الحماية ومخاطر الضرر المدني يظل حاضرًا في أي قراءة متوازنة لبيانات من هذا النوع.
لماذا تركز البيانات على صنعاء؟
تكرار ذكر صنعاء في بيانات التحالف ليس تفصيلًا عارضًا. فالمدينة تضم مقرات سياسية وعسكرية للجماعة الحوثية، وتُعد من أهم العقد التي يُمكن منها إدارة عمليات بعيدة المدى. وفي الوقت نفسه، هي مدينة كثيفة السكان، ما يجعل أي نشاط عسكري داخلها محمّلًا بمخاطر على المدنيين إذا لم يُميّز الهدف العسكري بدقة. ولهذا السبب، تحرص البيانات الرسمية عادةً على القول إن الأهداف عسكرية محددة، وإن العملية تستهدف قدرة الطرف الآخر على إطلاق النار لا النسيج المدني. والبيان الحالي يسير على هذا النهج: هو يسمي منصتي إطلاق، ويربط إحداهما بهجوم سابق على الرياض، ولا يورد أرقامًا عن ضحايا أو أضرار جانبية.
الرسالة السياسية للبيان
لا يُقرأ بيان متحدث عسكري من هذا المستوى بوصفه تقريرًا فنيًا فحسب. فهو موجه إلى عدة جماهير في الوقت نفسه. الجمهور الأول هو الرأي العام في المملكة ودول التحالف، الذي يريد رسالة طمأنة مفادها أن التهديد لا يُترك من دون معالجة، وأن القدرة التي استُخدمت ضد الرياض جرى استهدافها. والجمهور الثاني هو الطرف المواجه، الذي تُوجّه إليه رسالة بأن منصات الإطلاق قابلة للكشف والتدمير، وأن العملية لن تتوقف عند هدفين. والجمهور الثالث هو المتابع الدولي، الذي يبحث عن مؤشرات على مسار التصعيد أو الانضباط في اليمن والبحر الأحمر وباب المندب.
ويكتسب وصف المتحدث للجماعة الحوثية بـ«الميليشيا الإرهابية» أهمية في هذا السياق. فهذا الوصف هو اللغة الرسمية المعتمدة لدى التحالف والحكومة اليمنية المعترف بها، وهو يختلف عن التسمية التي تطلقها الجماعة على نفسها. والتقرير الصحفي المهني ينقل هذا الوصف بوصفه لغة المصدر الرسمي، لا بوصفه حكمًا قضائيًا مستقلًا. وفي المقابل، لا يملك البيان المتاح ردًا من الجماعة الحوثية على هذه العملية بعينها، ولا يتضمن تأكيدًا مستقلًا من جهة ثالثة لنتيجة الضربة. وهذا قيد مهني لازم: الخبر منسوب إلى متحدث التحالف، وهو مصدر طرف في النزاع، وينبغي تقديمه على هذا الأساس.
الأبعاد الإقليمية للتهديد الباليستي
يتجاوز أثر الصواريخ الباليستية نطاق المواجهة المحلية داخل اليمن. فهذه الأسلحة، بحكم مداها، تغيّر حسابات الأمن في الجزيرة العربية والبحر الأحمر والخليج العربي. وعندما تصل قدرة الإطلاق إلى عواصم ومنشآت حيوية، فإن تكلفة الحماية ترتفع: دفاعات جوية، وإنذار مبكر، وإجلاء للمدنيين، وتعطيل محتمل للملاحة الجوية والنشاط الاقتصادي. ومن هنا تنظر الدول المعنية إلى تفكيك منصات الإطلاق بوصفه جزءًا من خفض احتمال التكرار، لا بوصفه نهاية حتمية للتهديد.
وفي السنوات الأخيرة، ارتبط ملف اليمن أيضًا بمسارات إقليمية أوسع، منها أمن الملاحة في البحر الأحمر ومحاولات التوصل إلى تسويات سياسية لا تزال متعثرة. وكلما تعثرت المسارات السياسية، عاد الميدان العسكري ليفرض إيقاعه، سواء عبر هجمات على المدن أو عبر عمليات تستهدف مخازن السلاح ومنصات الإطلاق. والبيان الأخير يندرج في هذا النمط: هو لا يعلن تسوية، ولا يفتح قناة تفاوض، بل يؤكد استمرار عملية وصفها المتحدث بتفكيك شبكة الصواريخ.
ما الذي لا يقوله البيان؟
من مهمة التغطية المتوازنة أن تميز بين ما أُعلن وما لم يُعلن. البيان يقول إن منصتين دُمّرتا في صنعاء، وإن إحداهما استُخدمت في إطلاق صاروخ باليستي على الرياض، وإن عملية تفكيك الشبكة مستمرة. وهو لا يحدد عدد الصواريخ التي كانت على المنصتين، ولا موقعهما الدقيق داخل العاصمة، ولا حجم الأضرار، ولا ما إذا كانت هناك إصابات في صفوف المدنيين. كما لا يقدّم جدولًا زمنيًا للعمليات المقبلة. وهذه الفجوات طبيعية في البيانات العسكرية أثناء العمليات، لكنها تفرض على القارئ والمتابع ألا يعامل الإعلان بوصفه حصرًا نهائيًا لقدرات الطرف الآخر.
ومن المبكر أيضًا أن تمر فترة قبل أن تظهر صور أو تقييمات مستقلة يمكن من خلالها فحص ما ورد في البيان. وفي غياب هذا الفحص، يبقى الخبر قائمًا على إسناد رسمي واضح: متحدث قوات تحالف دعم الشرعية في اليمن. وهذا الإسناد كافٍ لنشر الخبر بوصفه تصريحًا منسوبًا، لكنه لا يكفي لتحويل كل جملة فيه إلى حقيقة مؤكدة بمصادر متعددة.
الأثر المحتمل على مسار المواجهة
إذا صحت رواية التحالف، فإن تدمير منصتين في صنعاء يعني خفضًا مؤقتًا في قدرة الإطلاق من هذا الموقع بعينه. لكن تجارب النزاعات الطويلة تُظهر أن الأطراف التي تمتلك شبكات صواريخ تسعى عادةً إلى تعويض المنصات المدمرة بنقل وسائل أخرى أو إعادة تموضعها. ولذلك فإن جملة «مستمرون بعملية التفكيك» تحمل دلالة عملية: التحالف لا يعد بإنهاء التهديد بضربة واحدة، بل يعد بمتابعة ما يصفه بالشبكة. وهذا المسار قد يطيل أمده بقدر قدرة الطرف الآخر على إعادة البناء والإخفاء.
وعلى المستوى السياسي، قد يُستخدم البيان لتثبيت سردية مفادها أن الخيار العسكري ما زال مفتوحًا ما دامت هجمات الصواريخ مستمرة. وهذا الموقف لا يلغي إمكانية الحل السياسي، لكنه يربط أي خفض للتصعيد بتوقف الاستهداف عبر الحدود. وفي ظل غياب تسوية شاملة في اليمن، من المرجح أن تبقى بيانات من هذا النوع جزءًا من إيقاع المواجهة، لا مؤشرًا على انكسارها.
المدنيون وتكلفة النزاع
لا يمكن فصل الحديث عن منصات الصواريخ عن الكلفة الإنسانية المتراكمة للحرب في اليمن. فقد أدى النزاع إلى أزمة إنسانية واسعة، شملت نزوحًا وانهيار خدمات وتدهور الوضع المعيشي لملايين اليمنيين. وكل جولة تصعيد، سواء بهجوم صاروخي أو بضربة جوية، تعيد فتح السؤال عن حماية المدنيين في صنعاء وفي المدن المستهدفة خارج اليمن. والمعنى العملي لهذا التوتر هو أن الإعلان عن تدمير منصة لا ينهي القلق المشروع على من يسكنون قرب مواقع عسكرية، كما أن اعتراض صاروخ لا يلغي أثر الخوف في المدينة المستهدفة.
ومن هذا المنظور، فإن قيمة البيان الصحفية لا تكمن فقط في نقل نتيجة عسكرية، بل في وضعها أمام القارئ مع سياقها: تهديد عبر الحدود، ورد يستهدف وسيلة الإطلاق، ونزاع مفتوح لم يُحسم سياسيًا، ومدنيون يدفعون الثمن في الجانبين. وهذا الإطار هو ما يجعل الخبر ذا صلة بالقارئ في المملكة وفي اليمن معًا، لا مجرد بيان عابر في حساب عسكري.
خلاصة
يخلص الموقف المعلن، بحسب اللواء الركن تركي المالكي، في ثلاث نقاط: تدمير منصتي إطلاق للصواريخ الباليستية في صنعاء، وربط إحدى المنصتين بإطلاق صاروخ استهدف الرياض، والتأكيد على استمرار العمل لتفكيك ما وصفها بشبكة الصواريخ التابعة للميليشيا الحوثية الإرهابية. وهذه النقاط الثلاث هي كل ما يتيحه النص المعلن بشكل قاطع. أما ما عدا ذلك من تفاصيل ميدانية ونتائج بشرية وردود من الطرف الآخر، فلم يرد في المصدر المتاح، ولا يجوز استكماله بالتخمين.
ويبقى المعنى الأوسع هو أن ملف الصواريخ الباليستية ما زال من أبرز عناوين التوتر بين التحالف والجماعة الحوثية، وأن صنعاء ما تزال، في رواية التحالف، مسرحًا لعمليات تستهدف قدرة الإطلاق لا المدينة بوصفها مجرد عاصمة سياسية. وسيظل المتابعون في انتظار ما إذا كان هذا الإعلان سيتلوه بيانات لاحقة توضح نتائج العملية، أو بردود من الأطراف المعنية، أو بتطورات ميدانية جديدة في مسار يبدو أنه لم يبلغ نهايته بعد.