تحليل رؤية د. تركي الرشيد: السعودية تتحرك بعقلية الدولة الكبرى لترسيخ استقرار الإقليم

في سياق التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي يشهدها العالم، برزت المملكة العربية السعودية لاعباً محورياً في صياغة ملامح الأمن الإقليمي والدولي، وهو ما عبّر عنه الكاتب السعودي الدكتور تركي الرشيد بتأكيده أن "السعودية تتحرك اليوم بعقل دولة كبرى"، في إشارة إلى منهجية العمل السياسي والدبلوماسي التي تعتمدها الرياض في هذه المرحلة. تعكس هذه الرؤية طبيعة الدور السعودي الذي لم يعد مقتصراً على ردّ الفعل، بل بات قائماً على قيادة استباقية تستشرف التحديات وتتعامل معها قبل تفاقمها، خصوصاً في الخليج العربي والقرن الأفريقي، وهما من أكثر المناطق حساسية على مستوى الأمنين الإقليمي والدولي. **تحصين الخليج والقرن الأفريقي** يشير حديث الدكتور الرشيد إلى أن المملكة تعمل على تحصين المنطقتين الخليجية والقرن الأفريقي من خلال مسارين متكاملين: أمني وسياسي.
فمن الناحية الأمنية، تواصل السعودية تعزيز تعاونها الدفاعي مع دول مجلس التعاون الخليجي، وبناء منظومات ردع إقليمية تسهم في حماية الممرات البحرية الحيوية التي تمر عبرها نسبة كبيرة من تجارة العالم وإمدادات الطاقة. أما على الصعيد السياسي، فتتجلى الجهود السعودية في رعاية مبادرات الحوار، ودعم مسارات التهدئة، واحتضان مفاوضات السلام بين الفرقاء في عدد من دول المنطقة، بما يضمن الحفاظ على وحدة الدول واستقرار مؤسساتها، والحد من تداعيات الصراعات على الأمن الإقليمي. **حلول سياسية تحفظ وحدة الدول** تؤكد رؤية "عقل الدولة الكبرى" على أن المملكة لا تكتفي بالمقاربات الأمنية، بل تعطي أولوية للحلول السياسية التي تحافظ على كيان الدولة الوطنية وتمنع انهيارها.
ويتسق ذلك مع السياسة السعودية في ملفات عدة، حيث حرصت الرياض على الدفع باتجاه التسويات السياسية الشاملة، ورفض مسارات التقسيم والفوضى، إدراكاً منها بأن انهيار الدول ينعكس مباشرة على أمن الإقليم واستقراره. هذا التوجه يعزز مكانة المملكة كوسيط موثوق، وشريك دولي يعتمد عليه في إدارة الأزمات المعقدة، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى أطراف قادرة على جمع الفرقاء وتوفير مظلة سياسية للحلول المستدامة. **تعزيز أمن الممرات الحيوية** تمثل الممرات البحرية في الخليج والبحر الأحمر وباب المندب أحد أهم ركائز الاقتصاد العالمي، ما يجعل أمنها أولوية استراتيجية للسعودية.
وتعمل الرياض في هذا الإطار ضمن تحالفات إقليمية ودولية لحماية الملاحة وتأمين الطرق التجارية، مستفيدة من موقعها الجغرافي المحوري وثقلها الاقتصادي. وتنسجم هذه الجهود مع رؤية المملكة 2030 التي تضع تطوير البنية التحتية للموانئ واللوجستيات في صلب استراتيجيتها للتحول إلى مركز عالمي للتجارة والخدمات، ما يربط بين الأمن البحري والتنمية الاقتصادية في إطار رؤية شمولية. **تحالفات ردع وشراكات تنموية** يشير الدكتور الرشيد في حديثه إلى بناء تحالفات ردع وشراكات تنموية، وهي معادلة تعكس إدراك المملكة لضرورة التوازن بين القوة الصلبة والقوة الناعمة.
فمن جهة، يتم تعزيز القدرات الدفاعية والتحالفات الأمنية لردع التهديدات وحماية الاستقرار. ومن جهة أخرى، تُدفع شراكات اقتصادية وتنموية مع دول الخليج والقرن الأفريقي ودول المنطقة الأوسع، بما يسهم في معالجة جذور الأزمات عبر تحسين الأوضاع الاقتصادية وفرص التنمية. هذا النهج المزدوج يسهم في خلق بيئة أكثر استقراراً، ويمنح الدول الهشة فرصاً أكبر للتعافي والنهوض، بعيداً عن دوامات الصراع المستمر.
**موازنة الاضطراب العالمي وترسيخ استقرار المنطقة** في ظل حالة الاضطراب التي يشهدها النظام الدولي، من توترات جيوسياسية إلى أزمات اقتصادية وسلاسل إمداد مضطربة، تعمل السعودية على بناء توازنات إقليمية تُخفف من تأثير هذه الاضطرابات على منطقة الخليج والشرق الأوسط والقرن الأفريقي. وتتجلى هذه المقاربة في سياسة الانفتاح على مختلف القوى الدولية، وتعزيز الشراكات المتعددة الاتجاهات، وعدم الارتهان لمحور واحد، بما يتيح للمملكة هامشاً أوسع للمناورة الدبلوماسية وخدمة مصالحها ومصالح المنطقة. **قيادة استباقية برؤية استراتيجية** تؤكد تصريحات الدكتور تركي الرشيد أن التحرك السعودي الحالي يقوم على رؤية استراتيجية بعيدة المدى، تنظر إلى المنطقة ككل، وتربط بين ملفات الأمن والسياسة والاقتصاد والتنمية.
ومن خلال هذه الرؤية، تسعى المملكة إلى ترسيخ مكانتها كدولة محورية ذات تأثير إقليمي ودولي، تتحمل مسؤولياتها في حفظ الاستقرار ودعم التنمية وبناء تحالفات متوازنة. وبينما يستمر المشهد الدولي في التغير، تبدو السعودية، وفق هذه القراءة، أكثر تصميماً على لعب دور "الدولة الكبرى" التي لا تكتفي بالتكيف مع الأحداث، بل تسهم في صناعتها وتوجيه مساراتها بما يخدم أمن واستقرار المنطقة والعالم.